تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

الهريسة اليمنية.. من هدايا المسافرين إلى خسائر التجار

على امتداد الطريق من عدن ولحج إلى تعز وإب، اعتاد المسافرون التوقف عند محال الحلوى لشراء الهريسة اليمنية، التي تحولت بمرور السنوات إلى واحدة من الهدايا المألوفة التي يحملها العائدون إلى أسرهم وأقاربهم. ولم تكن تلك المحال مجرد محطات عابرة، بلجزءًا من نشاط تجاري نشأ وازدهر بفضل حركة السفر بين المحافظات.

لكن الحرب التي غيّرت مسارات التنقل بين المدن اليمنية لم تترك هذه التجارة على حالها. فمع التصعيد العسكري الأخير في تعز، وما صاحبه من اضطراب في حركة النقل على بعض الطرق الحيوية، تراجعت أعداد المسافرين الذين تعتمد عليهم محال الحلوى في بيع منتجاتها، في وقت تواجه فيه الأسواق ارتفاعًا متواصلًا في تكاليف الإنتاج والنقل.

وتقدم صناعة الهريسة مثالًا على جانب من التداعيات الاقتصادية للحرب، يتجاوز الخسائر المباشرة الناجمة عن المواجهات، ليطال الأعمال الصغيرة التي تعتمد عليها عائلات في تأمين دخلها اليومي.

‍

تجارة تعتمد على حركة المسافرين

يقول فهيم سعيد، المنحدر من القبيطة في محافظة لحج ومالك أربعة محال للحلويات في إب، إن التصعيد العسكري الذي شهدته جبهات تعز مطلع سبتمبر/أيلول 2026، وما رافقه من تعطّل بعض الطرق الحيوية، فاقم الصعوبات التي تواجه العاملين في هذه التجارة.

ويوضح لـ«منصة اليمن» أن اضطراب حركة النقل بين عدن والمحافظات الشمالية، مرورًا بتعز وإب، انعكس مباشرة على المبيعات، إذ كان المسافرون يشكلون شريحة مهمة من زبائن محاله، خصوصًا الذين يشترون الهريسة والحلويات الأخرى كهدايا لأسرهم وأقاربهم.

وبينما تراجعت أعداد الزبائن، ارتفعت أسعار المواد الأساسية المستخدمة في صناعة الحلوى، بما فيها السكر والزيوت والمكسرات، إلى جانب زيادة أسعار المشتقات النفطية وتكاليف التشغيل.

ويشير سعيد إلى أن هذه الظروف دفعت بعض أصحاب المحال إلى إغلاق متاجرهم أو بيعها، فيما تراجع دخل آخرين إلى نحو النصف، ما جعل الاستمرار في العمل أكثر صعوبة، خصوصًا بالنسبة إلى أصحاب المشاريع الصغيرة الذين يعتمدون على مبيعاتهم اليومية لتغطية الإيجارات ونفقات أسرهم.

وتوضح هذه الشهادات كيف يمكن لاضطراب حركة التنقل أن يؤثر على أنشطة تجارية لا ترتبط مباشرة بنقل السلع الأساسية، لكنها تعتمد على المسافرين الذين يشترون المنتجات المحلية أثناء رحلاتهم.

‍

من لحج إلى الراهدة.. مهنة توارثتها الأجيال

وراء هذه التجارة تاريخ طويل من المهارات التي تناقلتها عائلات يمنية عبر أجيال.

في الراهدة بمحافظة تعز، يقول علي وحيد، حفيد صانع الحلوى علي سعيد، إن جده تعلم صناعة الحلوى خلال فترة قضاها في لحج، قبل أن ينتقل إلى الراهدة ويطوّر مهنته هناك قبل أكثر من سبعين عامًا.

ومع مرور السنوات، تحولت خبرة الجد إلى حرفة عائلية، انتقلت إلى أبنائه وأحفاده، وتطورت معها أصناف الحلوى وطرق إعدادها.

ويقول فهيم سعيد إن علي سعيد أسهم في نشر هذه المهنة بين أبناء القبيطة، إذ علّم آخرين أصول صناعتها، قبل أن تتوسع وتتنوع منتجاتها لتشمل أصنافًا عديدة.

ولم تعد الهريسة حكرًا على منطقة بعينها؛ إذ انتشرت محال الحلويات القباطية والراهدية وغيرها في مختلف المحافظات، وأصبحت جزءًا من النشاط التجاري والأسواق الشعبية.

وبحسب علي وحيد، فإن نشاط محل العائلة في الراهدة أصبح مصدر دخل لنحو ثلاثين أسرة، وهو مايعكس أهمية هذه الصناعة بوصفها نشاطًا اقتصاديًا يتجاوز حدود المحل الواحد.

‍

هدايا تربط المدن والعائلات

لم يقتصر انتشار الهريسة على الأسواق المحلية، بل ارتبط أيضًا بحركة السفر والعلاقات الاجتماعية بين المحافظات.

يقول محمد علي، مالك حافلة تعمل على خط صنعاء–عدن، إن كثيرًا من الركاب اعتادوا شراء الهريسة من مناطق العند ولحج وعدن والراهدة، خصوصًا أثناء عودتهم إلى المحافظات الشمالية.

وفي إب، تقول فاطمة الحاج إن أبناءها العاملين في عدن اعتادوا العودة حاملين الهريسة والحلويات القباطية، التي تُوزّع على الأقارب والجيران، وتُقدّم للضيوف في المناسبات العائلية.

ويرى الباحث في علم الاجتماع محمد البكاري أن صناعة الحلوى التقليدية تمثل إحدى الحرف الت يراكم فيها اليمنيون خبراتهم عبر أجيال، وأصبحت مرتبطة بعادات الضيافة والأعياد والزيارات العائلية.

ويوضح أنقيمة الهريسة لا ترتبط بمذاقها فحسب، بل بالذكريات والمناسبات الاجتماعية التي ارتبطت بها، من عودة المسافرين إلى اجتماعات الأسر وتبادل الهدايا.

‍

ما الذي تخسره الأسواق حين تتوقف الحركة؟

لا يمكن مقارنة خسائر تجارة الحلوى بحجم المعاناة الإنسانية الناجمة عن الحرب والقيود على الطرق في تعز، حيث يواجه المدنيون صعوبات أشد خطورة في الوصول إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية.

لكن التداعيات الاقتصادية التي يصفها أصحاب المحال تكشف جانبًا آخر من الأزمة نفسها؛ فتعطّل الطرق لا يؤثر فقط على وصول السلع والخدمات الأساسية، بل يمتد إلى الأنشطة الصغيرة التي تقوم على حركة الناس والتبادل التجاري بين المدن.

وفي حالة صناعة الهريسة، تتداخل هذه التأثيرات مع حرفة تقليدية لها حضور اقتصادي واجتماعي، وارتبطت بأسر ومناطق حافظت عليها لعقود.

وبينما يحاول أصحاب المحال التكيف مع تراجع المبيعات وارتفاع التكاليف، تظل استعادة حركة السفر الآمنة واستقرار الطرق عاملين مهمين لاستمرار هذه الأنشطة.

فقبل أن تصبح الهريسة هدية يحملها المسافر إلى عائلته، كانت مصدر دخل لعائلة أخرى صنعتها وباعتها. وبين هاتين العائلتين، كان الطريق يوفر فرصة عمل ورزق، قبل أن تجعل الحربالوصول بين المدن أكثر صعوبة وكلفة.

‍