اثنا عشر شاباً وشابة عرضوا لوحاتهم في معرض تشكيلي، وستة آخرون قدموا أعمالاً غنائية أمام الجمهور، بعد تدريبهم ضمن مشروع «ألوان وأنغام من لحج». تجربة تضاف إلى محاولات مؤسسات ومنتديات محلية منح المواهب الشابة فرصة للتعلم والظهور، في محافظة ارتبط اسمها طويلاً بالأغنية والشعر ومجالس الطرب.
تواجه هذه المحاولات واقعاً ثقافياً أضعفته الحرب والظروف الاقتصادية وتراجع الدعم. ومع ذلك، يواصل القائمون عليها تنظيم أنشطة للقراءة والكتابة والفنون وإحياء التراث، يعتمد كثير منها على جهود شخصية وتمويل ذاتي.
في الحوطة، عاصمة المحافظة، وفي أوساط المبدعين والمنتديات المحلية، تتشكل مساحات تحاول وصل الإرث الثقافي للحج بتجارب جيل جديد.

مساحات للمواهب
تعد مؤسسة سطور الثقافية إحدى التجارب الحديثة في المحافظة. ويقول رئيسها أيمن السقاف إنها تعمل وسط مشهد ثقافي «متعثر»، لكنها تمكنت من تنفيذ ندوات وورش وفعاليات بجهود وإمكانات ذاتية.
تناولت المؤسسة واقع الأغنية اللحجية في ندوة بعنوان «الأغنية اللحجية بين الغياب والحضور»، ونظمت ورشة لقراءة الحركة الثقافية في المحافظة بين الماضي والحاضر. كما ناقشت ضعف حضور قضايا لحج الثقافية والفنية في الإعلام، وأقامت ورشة بعنوان «محو الأمية الثقافية.. نحو فهم أعمق وتعزيز الهوية والتراث اللحجي».
ولخلق مساحة منتظمة للقراءة والحوار، أطلقت المؤسسة فعالية شهرية بعنوان «قراءة في كتاب»، يختار المشاركون خلالها كتاباً ويناقشونه.
أما مشروع «ألوان وأنغام من لحج»، فنُفذ بالشراكة مع معهد غوته في الأردن، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي ضمن برنامج منح مراكز الإبداع اليمنية. أتاح المشروع تدريب 12 شاباً وشابة في الرسم، ثم عرض أعمالهم في معرض تشكيلي، إلى جانب تدريب ستة شباب وشابات في الغناء، اختتم بحفل قدموا فيه أعمالاً غنائية وفنية.
تقدم التجربة مثالاً على ما يمكن أن تتيحه فرص التدريب والعرض للمواهب المحلية. لكن استمرار هذه الفرص يظل مرتبطاً بتوفر التمويل.
ويقول السقاف إن التنسيق مع مكتب الثقافة قائم، إلا أن الطرفين لم يتمكنا حتى الآن من تنفيذ عمل مشترك بسبب ضعف التمويل المخصص للأنشطة الثقافية. ويضيف أن المؤسسة لا ينقصها «الخبرة ولا الأفكار الخلاقة»، وإنما تحتاج إلى فرص تمويل من الدولة أو الجهات المانحة.
فعاليات تبحث عن الاستمرار
يصف مدير عام مكتب الثقافة في لحج، باسل فيصل علوي، النشاط الحالي بأنه محاولة لاستعادة حضور المحافظة الثقافي.
ويشير إلى تنظيم ثلاث فعاليات فنية جماهيرية خلال عيد الأضحى عام 2026، بدعم من السلطة المحلية، إلى جانب أنشطة أخرى. ويقول إن المكتب يعتزم إقامة مهرجان في ديسمبر المقبل، ويتعاون مع مؤسسات ومنتديات ظهرت خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب علوي، ينظر المكتب إلى هذه الكيانات بوصفها شركاء في العمل الثقافي، خصوصاً مع محدودية الموارد والحاجة إلى تنسيق الجهود.
غير أن العاملين في الوسط الثقافي يرون أن إمكانات المكتب لا تتناسب مع حجم الدور المطلوب منه، ويطالبون بتوسيع دوره في دعم المبادرات وتوفير مساحات تجمع المبدعين بالجمهور.

التراث خارج حدود المقتنيات
إلى جانب الغناء والفنون، تحضر مبادرات للحفاظ على التراث اللحجي وإعادة تعريف الناس به. ومن بينها مشروع «أثر إحياء التراث اللحجي 2023»، الممول من أمديست والسفارة الأمريكية، والذي تضمن ترميم قصر السلطان في الحوطة، وإقامة معرض تراثي، وتنفيذ حملات توعية بأهمية الحفاظ على التراث.
يجمع هذا النوع من الأنشطة بين صيانة المواقع والمقتنيات وإشراك المجتمع في التعرف إلى تاريخه، وهي علاقة يرى الكاتب عماد رشاد أن المؤسسات الثقافية تؤدي دوراً أساسياً في رعايتها.
ويصف رشاد هذه المؤسسات بأنها «الوعاء الذي يحتضن الهوية والموهبة والإبداع»، ويولي بيت التراث اللحجي أهمية خاصة بوصفه نافذة على هوية المنطقة.
ويرى أن دوره يمكن أن يتسع عبر الورش والعروض والفعاليات التي تعيد تقديم الموروث للناس، وتجعل التراث، كما يقول، «نابضاً لا مجرد معروضات صامتة».
حضور للرواية والقصة
تمتد الأنشطة الثقافية في لحج إلى الكتابة الأدبية وتدريب المهتمين بالرواية والقصة القصيرة.
وشارك عماد رشاد في القمة الثقافية الأولى في المكلا عام 2026، كما شارك بروايته «حين تصبح قصة» في معرض القاهرة الدولي للكتاب في العام نفسه.
وشهدت المحافظة أنشطة تدريبية في كتابة الرواية والقصة، فيما أتاحت شراكات مع جهات ثقافية في عدن فرصاً إضافية للتدريب. ومن بينها ورشة «فن صناعة الرواية»، التي أقيمت في عدن بالشراكة بين نادي رواق عدن للثقافة والفكر ومؤسسة مظلة، واستمرت ثلاثة أيام بمشاركة 15 متدرباً.
توفر هذه الأنشطة للكتاب المبتدئين فرصة لتطوير نصوصهم وتبادل الخبرات، في مجال يحتاج، بدوره، إلى مساحات للنقاش والنشر والوصول إلى القراء.

منتديات تفتح أبوابها للشباب
تسهم المنتديات والمبادرات الشبابية في جانب من هذا النشاط. فقد نظم منتدى شباب مبدع فعالية «لحج تقرأ»، وأقام نادي القراءة الشبابي لقاءات ناقشت قضايا مجتمعية، فيما نظم منتدى الحسيني الثقافي فعاليات في الغناء اللحجي.
ويواصل منتدى شغف الثقافي التنموي أنشطته في الأدب والثقافة. وتقول رئيسة المنتدى انتصار الكثيري إنه يقيم أمسيات لكتاب القصة والشعر والخاطرة، وينظم دورات لتطوير القدرات وأنشطة توعوية لطلاب ثانوية الفاروق.
ومن أحدث أنشطته دورة لتأهيل كتاب القصة والرواية المبتدئين في لحج وعدن، بالشراكة مع رواق للثقافة والفكر ومؤسسة مظلة، إضافة إلى مسابقة لرسوم الأطفال بالطباشير على الأرصفة.
كما ينظم المنتدى مسابقة سنوية لحفاظ القرآن الكريم من أطفال الحوطة، ويكرم شخصيات محلية في مجالات مختلفة، من بينها بطل الشطرنج الشاب فادي بجاس.
تفتح هذه الأنشطة مجالات متنوعة للمشاركة، لكنها تواجه صعوبات تتعلق بالتمويل والاستقرار. فبعض المنتديات لا يمتلك مقراً ثابتاً، ويعتمد على ما يستطيع أعضاؤه توفيره لتنظيم اللقاءات والفعاليات.
ما الذي تحتاجه هذه المحاولات؟
يتكرر شح التمويل في شهادات العاملين في المجال الثقافي. كثير من الأنشطة ينفذ على نفقة القائمين عليها، وتظل فرص التدريب والعرض محدودة، كما يشير القائمون على عدد من المنتديات إلى ضعف حضور المبادرات الثقافية النسوية.
ويرى ناشطون أن اتساع الاحتياجات الإنسانية وجه جانباً أكبر من الاهتمام والدعم نحو الإغاثة والعمل الخيري، فيما تعمل المؤسسات الثقافية بموارد قليلة.
في هذا الواقع، تبدو استمرارية الأنشطة تحدياً بقدر إطلاقها. فالدورة التدريبية تحتاج إلى فرص لاحقة لتطوير الموهبة، والمنتدى يحتاج إلى مكان ينتظم فيه، ومشروعات التراث تحتاج إلى رعاية تضمن بقاء أثرها.
تظهر تجارب لحج أن هناك مواهب وجهات مستعدة للعمل؛ لوحات تصل إلى المعارض، وأصوات تصعد إلى المسرح، وكتاب يبحثون عن قرائهم. ويظل السؤال أمام المؤسسات والسلطة المحلية والجهات الداعمة: كيف تحصل هذه التجارب على ما يكفي من الدعم لتواصل عملها، وتتيح الفرصة لمزيد من المبدعين؟

