تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

البرقع المأربي.. هوية بدوية تحرسها عيون النساء في مأرب

بالبرقع التقليدي الذي يغطي وجهها، ويُظهر ملامح المرأة البدوية الأصيلة، تُعبر مراحب اليوسفي (23 عامًا) عن فخرها واعتزازها بالموروث التراثي لمحافظة مأرب، عاصمة الحضارات اليمنية القديمة وإرثها الكبير.

وتحرص مراحب، صانعة المحتوى الرقمي بقناة سبأ الفضائية، من خلال تنقلاتها الطويلة كل يوم من منزلها في الوادي إلى مقر عملها في المدينة، على ارتداء البرقع التقليدي؛ لأنها ترى أنه يمنحها مظهرًا فريدًا، وشعورًا بالتميز عن النساء الأخريات، والانتماء، والثقة بالنفس.

تقول مراحب: "البرقع ليس مجرد غطاء للوجه، وإنما هو جزء من تراث وهوية المرأة المأربية، وله مكانة اجتماعية وثقافية متوارثة، ولم أشعر يومًا أن ارتداءه يعيق عملي أو تواصلي مع الآخرين."

يتنوع البرقع المأربي من حيث الشكل والطول، ويُعد عمر المرأة والمناسبة الاجتماعية من أهم العوامل الرئيسة في اختياره

ثراء التنوع

يتنوع البرقع المأربي من حيث الشكل والطول، ويُعد عمر المرأة والمناسبة الاجتماعية من أهم العوامل الرئيسة في اختياره، فبينما تنتشر التصاميم الطويلة التي تمتد إلى الصدر بين النساء الأكبر سنًا، تفضل الفتيات الأنواع القصيرة التي تغطي الوجه فقط.

ومن حيث القيمة الجمالية، يمتاز البرقع الخاص بالحياة العامة واليومية بالبساطة، ويخلو تصميمه من الزخارف، بينما يزدان البرقع الذي ترتديه المرأة في الأعراس والمناسبات بالتطريز الجذاب، والخرز الملون، والزينة التقليدية، ليشكل لوحة جمالية مع بقية الزي التراثي، الذي يضم الثوب الشعبي، واللحفة، والحلي الفضية، في تناغم يعكس أصالة الموروث البدوي وهوية المرأة المأربية.

وترى الأربعينية أم عبدالله أن البرقع الذي ترتديه المرأة بشكل يومي يكون بسيطًا وعمليًا؛ لأن الهدف منه الستر والحماية من أشعة الشمس والغبار، أما برقع المناسبات فيتميز بزخارفه ونقوشه الجميلة، وتزينه السلاسل الذهبية، أو يُطرز بالخرز الملون، وغالبًا ما يُنسق مع الحلي الفضية التقليدية؛ ليمنح المرأة مظهرًا يعكس أصالة التراث وجماله.

وتضيف، في حديثها لـ"يمن بلاتفورم": "برقع الفتيات الشابات يحمل طابعًا تقليديًا أنيقًا، ويصمم بخيط رفيع بين العينين، مع فتحات واسعة تبرز جمال العيون البدوية المكحلة."

تحدد الأعراف والتقاليد المأربية قواعد صارمة، ومراحل دقيقة لارتداء غطاء الوجه، بناءً على الفئات العمرية والمناطق القبلية

قواعد صارمة

تحدد الأعراف والتقاليد المأربية قواعد صارمة، ومراحل دقيقة لارتداء غطاء الوجه، بناءً على الفئات العمرية والمناطق القبلية، وتحرص العديد من النساء على عدم كشف وجوههن حتى أمام نساء أخريات، أو داخل المنزل.

وترى الناشطة المجتمعية ياسمين القاضي أن البرقع جزء من هوية المرأة المأربية وغطاء للستر، وتنشأ الفتاة في بعض مناطق الوادي على ارتدائه منذ الصغر، حتى يصبح جزءًا من شخصيتها اليومية؛ لذلك تستمر بعض النساء في ارتدائه داخل المنزل أو أمام نساء أخريات، بدافع الاعتياد، والخصوصية، والمحافظة على العرف الاجتماعي.

تقول القاضي لـ"يمن بلاتفورم": "الارتباط القوي بالبرقع يرجع إلى طبيعة المساكن القديمة التي كانت متقاربة، أو الحياة في الخيام غير الساترة، وهو ما جعل الحفاظ على غطاء الوجه جزءًا من ثقافة الاحتشام حتى داخل المنزل."

وتختلف القواعد المتشددة لارتداء البرقع من منطقة إلى أخرى، فبينما تعد هذه التقاليد أكثر رسوخًا في مناطق الوادي، تتعامل المناطق الجبلية، مثل بني مراد والجوبة وحريب، بمرونة، حيث تكشف النساء وجوههن داخل المنزل وأمام بعض الأقارب.

تعكس الأزياء الشعبية النسائية في محافظة مأرب خصوصية ثقافية وهوية محلية، وتختلف من منطقة إلى أخرى تبعًا للتنوع الجغرافي والبيئي والثقافات المحلية

خصوصية ثقافية

تعكس الأزياء الشعبية النسائية في محافظة مأرب خصوصية ثقافية وهوية محلية، وتختلف من منطقة إلى أخرى تبعًا للتنوع الجغرافي والبيئي والثقافات المحلية.

وبحسب الباحث في الدراسات الاجتماعية مسعد عكيزان، فإن غطاء الوجه لم يكن معروفًا قديمًا في كثير من مناطق مأرب، وكانت النساء يشاركن الرجال في أعمال الزراعة ورعي المواشي، ما جعل تغطية الوجه غير ملائمة لطبيعة حياتهن.

ويؤكد لـ"يمن بلاتفورم" أن البرقع لم يكن منتشرًا بالدرجة نفسها في جميع مناطق مأرب قديمًا، واختلفت أنماط غطاء الوجه بحسب طبيعة الحياة في كل منطقة، قبل أن يزداد انتشار البرقع لاحقًا مع تغير العادات الاجتماعية.

يقول عكيزان: "مع مرور الوقت ظهرت «اللحفة» كغطاء للرأس والوجه، ثم «الشرشف» المكوَّن من قطعتين، قبل أن ينتشر في العقود الأخيرة البالطو الأسود والعباءة، على غرار ما هو شائع في بقية المحافظات اليمنية."

الارتباط بالصحراء

لا يقتصر وجود البرقع البدوي على محافظة مأرب فحسب، بل يمتد إلى عدد من المجتمعات البدوية في شرق وجنوب شبه الجزيرة العربية، حيث ترتديه النساء في مأرب، وشبوة، والجوف، إضافة إلى بعض القبائل في منطقة نجران، جنوب المملكة العربية السعودية.

ويتشابه البرقع في مأرب وشبوة والجوف في التصميم العام، مع اختلافات بسيطة في الطول، والزخارف، وطريقة الارتداء. فالبرقع المأربي والجوفي يغلب عليهما الطابع البسيط، بينما تميل بعض براقع شبوة إلى مزيد من التطريز.

ويوضح مجاهد سليم، من أبناء قبيلة عبيدة، أن أوجه التشابه بين المجتمعات البدوية في مأرب والجوف وشبوة ونجران لا تقتصر على البرقع فقط، بل تمتد إلى أنماط الأزياء، والعادات، والتقاليد، والقيم الاجتماعية.

يقول سليم لـ"يمن بلاتفورم": "تشكل هذه المناطق امتدادًا ثقافيًا واجتماعيًا متقاربًا، في حين تميل مناطق جيزان وعسير إلى التأثر بالبيئة التهامية، وما يرتبط بها من عادات وخصائص ثقافية مختلفة."

ويشير سليم إلى أن مستوى التمسك بالبرقع المأربي التقليدي يختلف من منطقة إلى أخرى داخل المحافظة نفسها، تبعًا لاختلاف العادات والأعراف السائدة.

لا يقتصر وجود البرقع البدوي على محافظة مأرب فحسب، بل يمتد إلى عدد من المجتمعات البدوية في شرق وجنوب شبه الجزيرة العربية، حيث ترتديه النساء في مأرب، وشبوة، والجوف

تحولات اجتماعية

انعكس التغير في أسلوب الحياة ونمط العيش، الذي طرأ على محافظة مأرب نتيجة موجات النزوح الكبيرة، واتساع رقعة العمران، وتحول المدينة إلى مركز تجاري وإداري نشط ومتعدد الثقافات، بشكل مباشر على أنماط اللباس والعادات الاجتماعية، وباتت بعض النساء أكثر مرونة في استخدام البرقع داخل نطاق الأسرة أو في المناسبات النسائية المغلقة.

ونتيجة لهذا الانفتاح، بدأ البرقع الحديث، وأشكال أخرى من الأغطية الشائعة، تحل تدريجيًا محل البرقع التقليدي، ولم يعد لباس نساء القرى والمناطق البدوية يختلف كثيرًا عن نظيراتهن في المدينة، بحسب الإعلامية ولاء دينيش.

وعلى الرغم من هذه التحولات، ترى دينيش أن البرقع المأربي يبقى حاضرًا في الوعي الاجتماعي بوصفه رمزًا تراثيًا له مكانته وقيمته لدى كثير من النساء، ويجب الحفاظ عليه.