تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

البذور المحلية اليمنية.. هوية زراعية صامدة منذ آلاف السنين

قبل أن يبدأ موسم الحصاد بأيام، كان المزارع حسن عبيد (55 عامًا) من الحديدة يجوب حقله بهدوء، ويتوقف لحظة أمام كل سنبلة تبدو أكثر امتلاءً وقوة، ويتفحصها بعين اكتسبت خبرتها من عقود قضاها في الأعمال الزراعية، ليختار المحاصيل الأفضل والخالية من الأمراض، ثم يعزلها بعناية لتصبح بذور الموسم التالي.

ما يقوم به عبيد خلال مهمة اختيار البذور ليس مجرد عادة زراعية أو عمل عشوائي، وإنما عملية زراعية مهمة، ومعرفة توارثها المزارعون في اليمن عبر الأجيال، تقوم عليها جودة زراعة ومحاصيل العام القادم.

يتذكر عبيد والده وهو يمارس العمل ذاته، وينصحه بأن جودة المحصول تبدأ من حسن اختيار البذرة وتخزينها والحفاظ عليها من التلف.

ويقول عبيد: "المزارع اكتسب خبرات زراعية منذ قرون طويلة جعلته قادرًا على تحسين الإنتاج بوسائل مختلفة، منها طريقة اختيار الحبوب، وتوقيت موسم الحراثة، وطريقة الاعتناء بالمزروعات."

قبل ظهور وسائل التخزين الحديثة، اعتمد المزارعون اليمنيون على طرق تقليدية لحفظ البذور، طوّروها عبر سنوات طويلة من الخبرة الزراعية

انتخاب البذور

لا يختار المزارع اليمني بذوره بالمصادفة، وما كان يمارسه عبيد في الحقل يُعرف اليوم بعملية الانتخاب الزراعي، التي تهدف إلى اختيار أفضل النباتات من حيث الإنتاج، وقوة النمو، وخلوها من الأمراض، لتأتي بعدها عملية التجفيف والحفظ.

وبحسب الباحث الزراعي علي محمود العبسي، المدير الفني للمركز الوطني للمصادر الوراثية في الهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي، تتم عملية الانتخاب بطريقتين رئيسيتين؛ الأولى تكون في الحقل، حيث يختار المزارع النباتات التي تتميز بصفات مرغوبة، مثل طول النبات والتبكير في النضج وغيرها من الخصائص، أما الطريقة الثانية فتكون بعد الحصاد، إذ كان المزارعون قديمًا ينتقون الكيزان ذات الحبوب الكبيرة والخالية من الإصابات.

ويؤكد العبسي أن البذور، بعد عملية الاختيار، تُجفف جيدًا تحت أشعة الشمس، ثم تُخلط بالرماد الذي يساعد على امتصاص الرطوبة وحمايتها من الحشرات.

وسائل الحفظ التقليدية

قبل ظهور وسائل التخزين الحديثة، اعتمد المزارعون اليمنيون على طرق تقليدية لحفظ البذور، طوّروها عبر سنوات طويلة من الخبرة الزراعية، بما يتناسب مع طبيعة كل منطقة ومناخها.

يوضح الباحث العبسي أن طرق حفظ البذور التقليدية تختلف باختلاف الظروف المناخية السائدة في كل إقليم زراعي؛ فبينما كانت المدافن تحت الأرض شائعة الاستخدام في المناطق المعتدلة والباردة، كان استخدامها صعبًا في المناطق الحارة بسبب تأثير الحرارة والرطوبة على جودة البذور.

ويستخدم اليمنيون العديد من وسائل الحفظ التقليدية الأخرى، كبراميل الحديد والبلاستيك، ودباب الماء الكبيرة، وجلود الحيوانات، والحاويات المعدنية، وأكياس القماش والخيش، كما يوضح المهندس علي عبدالمغني المقطري، أخصائي المحاصيل بمحطة بحوث السهل الساحلي الغربي بتهامة.

يقول المقطري لـ"منصة اليمن": "في بعض المناطق تُحفظ الحبوب بعد التجفيف داخل أوعية مختلفة، منها الظروف والسلال المصنوعة من سعف النخيل، والجرار الفخارية التي كانت تُغلق بالطين، وثمار الدباء المجوفة، أما الذرة الرفيعة والذرة الشامية، فكان المزارعون يحتفظون بها غالبًا في سنابلها، حيث تُعلّق في أسقف المنازل حتى يحين موعد الزراعة."

وفيما يخص مدة التخزين، يوضح الدكتور باسل الكور، المختص بالمحاصيل والتنوع النباتي، أن مدة صلاحية البذور تختلف حسب نوع المحصول؛ إذ يمكن حفظ بذور القمح والشعير والذرة بين عام وثلاثة أعوام، بينما لا تتجاوز صلاحية بذور السمسم والقطن عامًا واحدًا بسبب ارتفاع نسبة الزيوت فيها.

ويشير الكور إلى أن درجة الحرارة والرطوبة تلعبان دورًا حاسمًا في الحفاظ على حيوية البذور، لذلك تبقى البذور المخزنة في المناطق الباردة صالحة لفترة أطول.

تكيف مع المناخ

تُعد البذور المحلية اليمنية أحد أهم الموارد المتوارثة التي حافظ عليها المزارعون، ولا تقتصر على الذرة وحدها كما يعتقد البعض، بل تشمل عشرات المحاصيل التي تكيفت مع المناخ المتنوع والتربة، وأصبحت أكثر قدرة على تحمل الجفاف، وشح المياه، والظروف المناخية القاسية.

وبحسب المهندس المقطري، تشمل البذور المتوارثة الذرة الرفيعة، والدخن، والقمح، والشعير، إضافة إلى محاصيل الخضروات المحلية، مثل البسباس والطماطم والبصل، وعدد من القرعيات، كالدباء واليقطين والخيار وغيرها.

ويشير المقطري إلى أن اليمن تعد من المواطن الأصلية للذرة الرفيعة ضمن إقليم القرن الأفريقي، إلا أن كثيرًا من الأصناف المحلية اندثرت خلال العقود الأخيرة، خاصة بعض أصناف الطماطم والبسباس والبطيخ، ولم يبق منها سوى عينات محفوظة في بنوك الجينات.

يقول الباحث الزراعي العبسي لـ"منصة اليمن": "البذور المتوارثة هي بذور عشائر الأنواع المحلية التي يحتفظ بها المزارعون من عام إلى آخر لاستخدامها في زراعة أراضيهم، لما اكتسبته من صفات تجعلها قادرة على تحمل الظروف البيئية القاسية، مثل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة والآفات، والحصول على الحد الأدنى من الإنتاج في ظل هذه الظروف."

يرى الخبراء أن أهم ما يميز البذور المحلية هو قدرتها على التأقلم مع البيئة اليمنية، وتحملها للجفاف وندرة المياه، وإمكانية إعادة زراعتها عامًا بعد آخر دون الحاجة إلى شراء بذور جديدة في كل موسم، إلا أن المقطري يرى أن هذه البذور تحتفظ بصفاتها الوراثية بدرجة كبيرة، لكنها قد تفقد جزءًا من خصائصها إذا زُرعت لسنوات طويلة دون عناية، أو اختلطت بأصناف أخرى نتيجة الخلط الوراثي أو اختلاط البذور أثناء الزراعة والحصاد.

الملاذ الأخير والهجين

ومع استمرار اختفاء الأصناف المحلية، أصبحت بنوك الجينات تمثل خط الدفاع الأخير لحماية هذا الإرث الزراعي والحفاظ على التنوع الوراثي للمحاصيل المحلية.

يستخدم اليمنيون العديد من وسائل الحفظ التقليدية الأخرى، كبراميل الحديد والبلاستيك، ودباب الماء الكبيرة، وجلود الحيوانات، والحاويات المعدنية، وأكياس القماش والخيش

ويحوي بنك الجينات التابع للهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي حاليًا أكثر من 7000 عينة بذور متنوعة، تشمل 51 محصولًا.

وبحسب الباحث العبسي، هناك ثلاث حالات رئيسية لحفظ البذور في اليمن؛ الأولى في بنوك الجينات الوطنية، التي تقع تحت رعاية الدولة وتعمل على حفظ وصيانة الموارد الوراثية للمحاصيل المحلية، أما الثانية فتشمل مخازن البذور التي أُنشئت في بعض المناطق، وتتولى إدارتها الجمعيات الزراعية بهدف الحفاظ على البذور المحلية وتوفيرها للمزارعين، والثالثة في بنوك الجينات لدى المزارعين، والتي تندرج ضمن مسؤوليات مديري المديريات، إلى جانب لجان من المزارعين تتولى الإشراف على عملية الحفظ والإدارة.

وعلى الرغم من أن البذور المحلية تمثل إرثًا وثروة وطنية استطاعت أن تحافظ على خصائصها، وتتأقلم مع البيئة اليمنية عبر آلاف السنين، إلا أن انتشار البذور المهجنة أدى إلى تراجع كثير من الأصناف المحلية، وحدوث ما يعرف بالتآكل الوراثي.

ويوضح المقطري أن هناك فرقًا كبيرًا بين البذور المحلية، التي يستطيع المزارع الاحتفاظ بها وإعادة زراعتها كل عام مع احتفاظها بمعظم صفاتها، والبذور المهجنة الناتجة عن تهجين أبوين نقيين وراثيًا، والتي، على الرغم من أنها تتميز بإنتاجية مرتفعة، وتجانس في النمو، ومقاومة بعض الأمراض، فإنها صالحة لموسم واحد فقط، وإذا أُعيدت زراعة بذورها تراجع الإنتاج.

ويشير المقطري إلى أن معظم بذور الخضروات المزروعة حاليًا في اليمن، مثل الطماطم والخيار والبطيخ والشمام والفلفل، هي بذور هجينة مستوردة.

الحفاظ على البذور المحلية لم يعد مجرد خيار زراعي، بل قضية أمن غذائي وسيادة وطنية، لأن التفريط بهذا الإرث يعني خسارة مورد وراثي وثروة زراعية لا يمكن تعويضها بسهولة، كما يشدد الباحثون.