حينما كان عائداً من المدينة إلى قريته، وجدَ مشقّة في الوصول. فكّر الشاب فيما يمكن أن يفعله، في واحدة من الطرق الوعرة التي تسببت بـ 24 حادثة انقلاب سيارة في الثلاثين سنة الماضية، وفق سكان محلّيين بعُزلة بلاد الوافي التابعة لمديرية جبل حَبَشي غربي محافظة تعز. هذه التجربة القاسية دفعت إبراهيم الوافي إلى الواجهة، فكانت أول خطوة يقوم بها هي الاجتماع مع الأهالي، وحثّهم على أهمية التكاتف للتخفيف من المعاناة، يقول الوافي: "شعرَ كلّ شخص بمسؤولية، واتّفق الرجال على المشاركة والمساهمة بالعمل وفق الاستطاعة، فيما شاركت النساء بإعداد الطعام للعاملين".
عرفت المجتمعات الريفية قديماً الإعانة، أو ما يُعرف شعبيا بـ"العانة" لدى الريفيين في الغرب والشمال، أو الـ"ضُهى" والـ"تعاون" بجنوبي محافظة تعز، كما تشيع تسميتها بـ"الجايش" أو "الغرم" عند أرياف تهامة (المحافظات الغربية)، أما في يافع التابعة لمحافظة لحج (جنوبا) فتُعرف بـ"المضاهاة"، وهناك مَن يطلق عليها "المعون"، مثل بعض المناطق في صنعاء (شمال اليمن)، وفقا لرصد من أشخاص من تلك المناطق.
.jpg)
كموروث اجتماعي، تتميّز الإعانة بأنها تقوم على المبادرة الفردية المباشرة، ثم تتحوّل إلى مظاهرة تعاونية تضامنية في الأداء، حيث يقوم الأهالي بمساعدة شخص بشكل جماعي تطوّعي أثناء بناء بيته وخزان المياه (بركة) أو التبرّع بمال في حال المرض، ويقتضي عرفها أن لا يتخلّف أحد، إلا إذا كان مريضا أو ذا عذر مقبول، وترجع هذه الأنشطة، كما ذكرت دراسة عودة المبادرات المحلية في اليمن إلى العصور القديمة كحالة نشاط مجتمعي تضامني بين الأهالي، توارثوها جيلا بعد جيل، وكانت من نتائجه الأولى بناء المدرجات الزراعية على امتداد الجبال، والتي ما تزال قائمة حتى يومنا هذا.
على الرغم من أنهم يشكّلون أكثر من 60% من إجمالي سكان البلاد، وبسبب محدودية البنية التحتية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية كالتعليم والرعاية الصحية إلى مناطقهم، يُعدّ الريفيون الأكثر عرضة للمخاطر من بين نحو 19 مليون يمني يحتاج للمساعدات، بحسب وكالة الأمم المتحدة المتخصصة بالتنمية الريفية IFAD.
بين الواقع والماضي
في المرتفعات، عانى ما يزيد على 30600 فرد ينتمون إلى 6845 أسرة في قرى بلاد الوافي حالةً من الانعزال والتهميش، مع انقطاع الطريق الرئيسي الرابط بين العزلة ومنطقة الرمادة (على الخط الغربي تعز-الحديدة) بسبب المواجهات. لم يرضخ الأهالي لهذا الظرف، بل دفعتهم الحاجة إلى البحث عن المُمكن، فكان موروث الإعانة ملهمهم الأول للبدء بشقّ وإصلاح طُرق جديدة، ثم تطوّر الجهد إلى استغلال منصّات التواصل الاجتماعي والمؤثّرين للمناصرة، مما أسهم في تحويل الجهود الفردية إلى مبادرة مجتمعية، حسب الوافي الرئيس الحالي للمبادرة.
تمكّنت هذه المبادرة عبر مشاركة الأهالي ومساهمة المغتربين والتجّار وفاعلي الخير من جمع 71 مليون ريال يمني، لرصف ما يقارب من اثنين كليو متر مربع في طرقات موليا والعارضة والقبع العليا بين منتصف 2024- نوفمبر2025، ثم توسعت المبادرة إلى ثلاث طرقات: القحفة، السفا، والقبع السفلى، وما زال العمل يمضي في بعضها حسب تقارير المبادرة.
%20copy.webp)
كبلاد الوافي، شهدت المناطق الريفية اليمنية في السنوات الماضية عودة لـ"الإعانة"، سواء بالتكافل ومساعدة المحتاجين، أم بالمبادرات وإصلاح الطرقات وخزانات المياه واستمرار العملية التعلمية، لتُثبت أن هذا المورث الاجتماعي ما زال قادرا على التكيّف حاضرا ومستقبلا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، رصدت دراسة عودة المبادرات، 122 مبادرة ذاتية في 65 قرية، منها 44 مبادرة لشقّ ورصف الطرق، نفّذها الأهالي في مديرية بعدان بمحافظة إب (وسط البلاد).
يقول المحاضر في علم الاجتماع بجامعة تعز الدكتور محمود البكاري: "إن عودة هذه القيمة الاجتماعية بشكل لافت في الحرب جاءت نتيجة لحاجة الأسر التي اضطرت للنزوح من المدن إلى الريف من أجل تأمين احتياجاتهم والتخفيف من الأعباء المعيشية، خاصة مع غياب دور الدولة".
ومع انقطاع الرواتب وارتفاع سعر العملة وغياب الخدمات الأساسية، لجأ اليمنيون للبحث عن أشكال مختلفة من التكيّف بحثًا عن استمرار الحياة بعد عجز الدولة عن أداء مسؤولياتها، وهو ما جعلهم يتصرفون كأنهم ضمير الأنا الجمعي للأمة، كما وصفت دراسته التكيّف الاجتماعي للمجتمع اليمني في ظل الأزمات.
يوضح الدكتور البكاري أن "الإعانة" ترسّخت في الذاكرة الجمعية للمجتمع اليمني ثقافةً متوارثةً تعزّز قيم التراحم والتضامن والتكافل الاجتماعي، حتى إنها تحوّلت إلى تجربة مؤسسية في السبعينيات فيما عُرف باللجان التعاونية التي استطاعت بناء المدارس وشقّ الطرقات في معظم المناطق الريفية.
وأخيرًا يمكن التأكيد بأنه، على الرغم من الانهيار الذي أفرزته الحرب وغياب خدمات الدولة، وجد الريفيون ملاذًا في إحياء القيم القديمة، فقد كان حضورهم كبيرا في ظلّ الأزمات التي عاشوها، فالإعانة كموروث فعلٌ اجتماعي مقاوِم، يُثبت قدراتهم على التكيف. هكذا تصنع الثقافة أبطالا عندما يحولون طاقاتهم إلى استراتيجية محفّزة على الصمود وبناء الأمل ولو في أقسى الظروف.


