وسط حرارة مرتفعة وصيحات طلبات الزبائن التي تختلط بأصوات شعلات النار ورائحة الطعام الشهية، يبدو ماجد الأوزري منهمكا بحركات الطهي السريعة في رمي المكونات وتحريكها بطريقة احترافية داخل مجموعة من أواني حجرية وضعت على شكل صفوف صغيرة فوق اسياخ من الحديد.
ما تتلقفه أيدي الزبائن في مطعم الاوزري بالعاصمة صنعاء من وجبة الفحسة ليس إلا جزء من أكلات شعبية متنوعة يزخر بها المطبخ اليمني وتمثل هوية ثقافية وحضارية، ارتبط بها الناس في المجتمعات المحلية، واحتلت جزءًا كبيرًا من المائدة.
وعلى الرغم من أن هذه الوجبات انتشرت بشكل عام في جميع المحافظات، إلا أن كل صنف ما يزال مرتبطًا بموطنه الأم، وله خصوصية ترتبط ببيئته وتضاريسه ومناخه وطريقة حياة الإنسان والإمكانات المتوفرة.

لمسات طبيعية
من المعروف أن لكل منطقة يمنية وجبات ومخبوزات معينة، وعادات مختلفة في تفضيلات الناس، إلا أن جذور الأكلات الشعبية الشائعة تعود بشكل أساسي إلى ثلاث محافظات رئيسية، وهي: صنعاء، وعدن، وحضرموت.
ففي محافظة صنعاء تتربع الفحسة، التي تُعد بشكل رئيسي من اللحم البقري المفروم، والمرق، والبصل، والثوم، والبهارات المُشكلة، على قائمة الوجبات التراثية، علاوة على السلتة التي تُحضَّر بطريقة مشابهة إلا أنها قد تخلو من اللحم، وتتميز بمرونة مكوناتها التي تتكون من مجموعة متنوعة من الخضار والتوابل والمرق.
وتُوضع الحلبة بعد تجهيزها على شكل رغوة بيضاء على الطبقين قبل تقديمهما.
وبحسب ماجد الأوزري فإن هذه الوجبات الشعبية ارتبطت بثقافة الإنسان وبيئته، سواء من حيث المكونات المتوفرة، وطريقة إعدادها، أو باستخدام الأواني التي تُحضر بها، كالحرضة "وعاء حجري"، أو المدرة "وعاء مصنوع من الطين".
ويرى أن المناخ البارد بصنعاء والطبيعة الجبلية هما ما جعلا الناس يستخدمون هذه الأواني التي تُبقي الطعام حارا جدا لأطول فترة، وتمد الناس بالدفء.
ومن المناطق الساحلية، كمحافظة عدن، ظهرت الأكلات الشعبية المرتبطة بالأسماك، كالصيادية العدنية المكونة من سمك مقلي مطبوخ مع أرز مُبهر يحتوي على البصل المحروق، والثوم والفلفل الأحمر العدني، أو طبق المطفاية (صانونة السمك)، التي تحضر من السمك، والطماطم والبصل والثوم والبهارات العدنية، وتقدم مع الخبز.
وتُنسب إلى محافظة حضرموت الصحراوية، وذات المراعي الواسعة، الأكلات الشعبية المكونة من اللحم الغنمي، كالمندي الذي يُطهى بحفرة تحت الأرض "موفا" على حرارة الجمر، أو المظبي الذي يُطهى على أحجار الصوان التي تُوضع فوق الجمر.
وكغيرها، ارتبطت أكلات المحافظة ببيئتها وبأسلوب حياة الناس الذين يمتهنون الرعي، وعادة ما يتناولون طعامهم في البوادي، التي استوحوا منها طريقة التحضير البدائية، والأدوات الطبيعية التي تجعلها تنضج ببطء وتعطيها مذاقها المميز.
وتُعد العصيد من أشهر الوجبات الشعبية المنتشرة في جميع المحافظات اليمنية، لسهولة تحضيرها ومكوناتها البسيطة، التي تتكون من الطحين، الذي يكون غالبًا من الحبوب المنتجة محليًا، والماء المغلي.
شق المائدة الآخر
يمثل الخبز الشعبي جزءا أساسيا من المأكولات التي تشتهر بها اليمن، كالفطير التي تتكون من أنواع مختلفة من طحين الذرة، واللحوح الذي يُنسب إلى محافظة المحويت، ويُصنع منه الشفوت، الوجبة الرئيسية للإفطار في رمضان.
تقول أم محمد -بائعة لحوح من تعز- إن اللحوح من المخبوزات التي تشترك بها كل المحافظات اليمنية، لكن هناك تفاصيل تختلف من منطقة إلى أخرى، ولتعز طريقتها الخاصة.
وبحسب أم محمد، يتم إعداد اللحوح التعزي من دقيق أبيض وذرة شامية أو دخن، وعادة ما يُعجن في الليل في فخار مصنوع من الطين يُسمى "القصيص"، ويُترك ليخمر حتى الصباح، ويكون بعد التحضير شبه جاف ورقيقا جدا، ويحتفظ بصلاحيته لعدة أيام.
ما بين الأصل والتقليد
لا تقف الوجبات الشعبية عند حدود جغرافية محددة، وتنتشر في كل المحافظات، إلا أن الجودة والمذاق المميز يبقيان مختلفين في المنطقة التي تنتمي إليها.
وكالسلتة أو الفحسة الصنعانية، التي تنتشر مطاعمها في ربوع اليمن أو تُحضَّر في البيوت، لكنها لا ترقى إلى مستوى مذاقها في صنعاء، كما هو الحال مع الصيادية العدنية والمندي الحضرمي، بحسب عدنان علي، مالك مطعم.
يمتلك علي مطعما شعبيا بمحافظة الحديدة لوجبات السلتة والفحسة وعدد من الأكلات التقليدية، إلا أنه يؤكد أن إقبال الناس أكثر على الأكلات الشعبية التهامية، مثل فتة الموز، والمقلي، واللحم المزموم، والمخلوطة، والسمك المدخن.
ويرجع عدنان ذلك إلى اختلاف أذواق الناس من منطقة إلى أخرى، والفارق في طريقة الإعداد والمكونات، واللمسات التي تتميز بها المناطق التي تنتسب إليها، وتحسن مذاقها وتجعله مختلفا عن غيره.
.jpeg)
تأثيرات خارجية
تأثرت الأكلات الشعبية بمطابخ خارجية، وعلى وجه الخصوص محافظة عدن، التي مثلت مركزا تجاريا عالميا وملتقى للحضارات الآسيوية والإفريقية، فظهرت العديد من الأطباق، مثل الزربيان العدني، النسخة اليمنية للبرياني الهندي، القائم على تتبيل الدجاج أو اللحم بالزبادي والبصل المحمر والبهارات الهندية.
كما تأثرت الأكلات الشعبية باستخدام خلطات التوابل والفلفل الحار وتقنيات طهي مميزة للسمك واللحوم، بالإضافة إلى تأثر المطبخ في المحافظات الشمالية بالطرق التركية في تحضير بعض الأطباق والمخبوزات والحلويات، ومنها الدقة التي تتكون من قطع لحم صغيرة وتُطهى مع البصل والتوابل، واكتسبت الوجبات في المناطق التهامية، بحكم موقعها الجغرافي، لمسات إفريقية متنوعة.
ثقافة متجذرة
على الرغم من المنافسة بين الوجبات التقليدية والحديثة، إلا أن مستوى الإقبال على الأكلات الشعبية يبقى الأعلى، ويشهد مطعم الأوزري ازدحاما شديدا، لزبائن يتصببون عرقا من حرارة المكان في مشهد مملوء بالحركة ومثير للاهتمام.
يؤكد الأوزري أنه لا مجال للمقارنة بين تفضيل الناس، بمختلف فئاتهم العمرية، للأكلات التقليدية اليمنية وغيرها، وهو ما يثبته الإقبال الكبير على المطاعم التي تعدها، لا سيما التي تشتهر بجودة إعدادها وتلتزم بالحفاظ على النظافة.
ويبرر الباحث في التراث اليمني، جازم سيف، تلك التفضيلات بارتباط الناس في كل البلدان بمأكولاتهم الخاصة، التي تنبع من ثقافتهم وهويتهم الحضارية والبيئية، واليمن ليست إلا واحدة من تلك المنظومة التي اكتسبت هويتها الخاصة عبر عقود من الزمن.
وبحسب سيف، المأكولات الشعبية ليست مجرد وجبات غذائية تلبي أذواق الناس بجودتها المميزة فحسب، وإنما واحدة من الهويات الأصيلة التي ترتبط بالمواطن، ويتناقلها جيل بعد جيل، وتعكس تاريخا وحضارة وثقافات محلية يمنية متنوعة.

