تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

الأهازيج البحرية في اليمن.. ذاكرة العمل وصوت البحر عبر الأجيال

على جزر السوابع وحنيش، يستعيد اليمني علي جابر، البالغ من العمر 45 عامًا، تفاصيل الأهازيج التي رافقته خلال سنوات عمله في الصيد، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من حياة البحارة.

يقول علي إن البداية تكون دائمًا مع لحظة الإمساك بالشباك، خاصة تلك التي تُلقى في أعماق بعيدة لصيد الأسماك الكبيرة مثل الحيتان وأسماك القرش، التي يُطلق عليها محليًا اسم "اللخم".. هناك في قلب البحر يتخذ المشهد طابعًا مختلفًا إذ يتقدم أحد البحارة لقيادة الأهزوجة فيما يردد الآخرون من خلفه في تناغم جماعي

ويوضح أن هذه الأهازيج لا تحمل بالضرورة معنى مباشرًا بل تنبع في كثير من الأحيان من الخيال، كلمات تُقال دون ترجمة حرفية لكنها تنطوي على دلالات أعمق، فعندما تُردد عبارات مثل "المال ما بهب رجال" فإنها تعكس أن قوة الرجال والعمل الجماعي في البحر تفوق قيمة المال.

ويتابع مسترجعًا بعض المقاطع التي كانوا يرددونها مثل الإشارة إلى "بنات اليمن" موضحاً أنها لا تُقصد بمعناها الحرفي، بل تأتي كصور بلاغية وتشبيهات تعكس الجمال أو المقارنة ضمن سياق لغوي خاص بالبحارة

كما تتضمن بعض العبارات إشارات مكانية بلغة البحر مثل "يعلي" و"يفرع" في دلالة على اتجاهات الشروق وحركة الشمس لكنها تُقال بمفردات لا يفهمها سوى أهل البحر ويضيف أن هذه الأهازيج كانت أيضًا وسيلة لنقل الخبرة حيث يتعلم الصغار من الكبار فالربان وابنه كما يقول "علمونا ودربونا تدريب رجال" في إشارة إلى أن البحر ليس مجرد مهنة بل مدرسة تُورّث المهارات والقيم.

ويؤكد أن ما يُذكر في بعض الأهازيج مثل "رشاش والي" لا يُفهم بمعناه الحرفي بل هو تعبير مجازي عن أدوات البحر ومصادر الرزق التي يعتمد عليها الصيادون في كسب قوتهم.

الأهازيج البحرية كانت أيضًا وسيلة لنقل الخبرة حيث يتعلم الصغار من الكبار

الانتقال عبر الأجيال

يروي الباحث السمكي هزاع كداف أن هذه الأهازيج تعود إلى زمن بعيد مع بدايات استخدام الشباك والقوارب الشراعية حين كان الصيادون يجتمعون حول عمل واحد فتتولد بينهم حالة من الغناء الجماعي تخفف عنهم مشقة البحر.

ومع كل سحبٍ للشباك، كانت الأصوات ترتفع في تناغم مع حركة الأيدي حتى يبدو اللحن وكأنه جزء لا ينفصل عن عملية الصيد نفسها،  يضيف كداف: "لم تكن هذه الأهازيج مجرد كلمات عابرة، بل كانت تنتقل من الآباء إلى الأبناء بصورة حية ومباشرة فالطفل الذي يرافق والده إلى البحر لا يتعلم الصيد فحسب بل يحفظ تلك النغمات في ذاكرته لتغدو لاحقاً جزءاً من هويته وحياته".

ويتابع كداف موضحًا أن دور الأهازيج يتجاوز الترفيه إذ تُعد في المقام الأول وسيلة للتحفيز وبث الحماس في نفوس الصيادين ففي مواجهة مشقة العمل وطول الساعات تمنحهم طاقة متجددة وتكسر رتابة الجهد وتبعد عنهم الملل والخمول.

وتحمل كلمات هذه الأهازيج عوالم متعددة من المعاني فهي أحياناً تعبير عن الفخر والقوة  وأحيانًا أخرى مساحة للعتاب أو السخرية. ولا تخلو من روح الفكاهة التي ترسم الابتسامة وسط قسوة العمل ويعكس هذا التنوع في المضامين طبيعة الحياة البحرية نفسها التي تجمع بين الصعوبة والأمل وبين التعب والمرح في آنٍ واحد.

أداة تنظيم جماعي

يقول الباحث في بحر العرب والأسماك والأحياء البحرية، عمر خميس بامتيرف إن الحديث عن الأهازيج البحرية تفتح بابًا مهمًا للنقاش حول أصالة هذا التراث لدى الصيادين التقليديين وبحارة السفن، حيث يمتزج الفن بالعمل الشاق ليشكّل هوية فريدة.

ويضيف أن ما يُتداول عن الأهازيج ونسبها إلى الصياد التقليدي ينطوي على قدر من المبالغة، وقد لا يعكس بدقة الواقع الذي انتقل عبر الأجيال بصيغ مختلفة.

وبحسب رؤيته، لم تكن الأهازيج لدى الصيادين فناً ترفيهياً بحتاً بل أداة عمل بالدرجة الأولى ، تُستخدم لضبط إيقاع الحركة الجماعية أثناء سحب الشباك الثقيلة أو رفع الشراع وهي مهام تتطلب تنسيقاً عالياً وجهداً موحداً وكان ربان القارب، أو "الميّان"، يقود هذا الإيقاع عبر كلمات قصيرة أو نداءات مثل: "هي يالله" أو مقاطع  من أبيات شعرية.

ويشير بامتيرف إلى أن كثيراً من هذه الأهازيج تلاشى مع دخول المحركات إذ ألغت الضوضاء وتسارع العمل الحاجة إليها بل بات الصيادون يفضلون الصمت على القارب ما أوجد انطباعاً خاطئاً بأنها لم تُورّث،  بينما الواقع أنها لم تعد تُمارس كما في السابق.

ويضيف أن الدور الأبرز للأهازيج كان يتجلى في الرحلات البحرية الطويلة لدى الملاحين على متن "البومات" و"البساتن" و"العباري" لا سيما في الرحلات الممتدة نحو أفريقيا والخليج والهند، والتي كانت تستغرق شهوراً.

وفي تلك الرحلات، أدت الأهازيج دوراً نفسياً وعملياً في آنٍ واحد إذ أسهمت في تخفيف وطأة العزلة وتعزيز التواصل مع البحر والريح كما ظهرت أهازيج خاصة لطلب الرياح وأخرى تُردد عند دخول الموانئ، بما يعزز معنويات البحارة في مواجهة المخاطر.

ويؤكد أن أهل الحامي وقصيعر عُرفوا تاريخياً بريادتهم في الملاحة وأن أهازيجهم كانت انعكاساً أصيلاً لخبرتهم البحرية وليست مجرد محاكاة لفنون وافدة.

الأبرز للأهازيج كان يتجلى في الرحلات البحرية الطويلة لا سيما في الرحلات الممتدة نحو أفريقيا والخليج والهند، والتي كانت تستغرق شهوراً

تنوع جغرافي وثقافي

يقول حمود علي، رئيس الاتحاد السمكي في سقطرى، إن الأهازيج تُعد جزءاً أصيلاً من بيئة العمل البحري إذ إن لكل عمل سواء كان جماعياً أو فردياً أهزوجته الخاصة التي تلائم طبيعته وإيقاعه.

ويضيف أن هذه الأهازيج تؤدي دوراً مهماً في رفع معنويات الصيادين حيث تساعدهم على مواصلة العمل دون الشعور بالملل أو التعب كما تخلق حالة من الانسجام بينهم أثناء أداء المهام المختلفة.

ويؤكد أن للصيادين في سقطرى أهازيجهم الخاصة التي تميزهم عن غيرهم، مشيراً إلى أن هذا التنوع يُعد أمراً طبيعياً إذ تختلف الأهازيج من منطقة إلى أخرى بما يتناسب مع خصوصية البيئة والثقافة المحلية بما في ذلك اللغة السقطرية التي تضفي طابعاً فريداً على هذا الموروث البحري.

كما يشير الصياد والباحث في الموروث البحري بسواحل تهامة،  أمير الجوهري، إلى أن أهازيج البحر تمتد جذورها في عمق التاريخ وارتبطت بعلاقة الإنسان بالبحر وانتقلت عبر الأجيال من خلال مرافقة الأبناء لآبائهم في رحلات الصيد لتظل جزءاً حياً من الذاكرة.

ويستطرد أن هذه الأهازيج لم تكن مجرد غناء بل أداة لتنظيم العمل وتوحيد الجهد خاصة أثناء سحب الشباك والتجديف إلى جانب دورها في رفع المعنويات وتخفيف مشقة العمل وتعزيز روح التعاون بين الصيادين.

ويتابع الجوهري أن موضوعات هذه الأهازيج تتنوع بين الدعاء وطلب الرزق ووصف البحر والتفاخر بمهارات الصيد، إضافة إلى التعبير عن الشوق والحنين للأهل، مؤكداً أنها تختلف من منطقة إلى أخرى من حيث الإيقاع والمضمون ومن نماذجها ما يُردد في بداية الرحلة: "يا كريم الجود.. يا حي يا قيوم" فترد المجموعة: "يا الله.. يا الله"، طلباً للرزق والسلامة.

وأثناء العمل وسحب الشباك، تُردد أهازيج مثل: "هَيْلا.. هَيْلا" ويرد البحارة: "يا معين..  لتوحيد الجهد والحركة وفي لحظات التجديف يقول النهّام: "صلّي على الهادي.. شفيع الأمم" فترد المجموعة: "صلّي عليه وآله"، في إيقاع هادئ يواكب حركة البحر.

أما عند الحنين والابتعاد عن الساحل، فتظهر أهازيج مثل: "ودعتك الله يا ساحل الكثيب"، تعكس شوق الصيادين لأهلهم، وعند العودة، ترتفع الأصوات فرحاً: "بانت مآذننا.. وبان الخير" فترد المجموعة: "يا هلا بالسلامة".

تصنيف الأهازيج... الحفاظ على التراث

تشير دراسة صادرة عام 2019 للدكتور عبد الحكيم الزبيدي إلى أن الأهزوجة تُعد شكلاً من أشكال الغناء الشعبي المرتبط بالحياة اليومية للناس إذ تُعرّف بوصفها نشيداً شعبياً يُؤدى بلغة العامة في مناسبات متعددة مثل الحروب والأعراس والاستقبال والتوديع، ويرتبط مفهومها لغوياً بـ"الهزج"، الذي يعني الغناء المصحوب بالترنّم.

وتوضح أن الأهازيج البحرية تمثل جزءاً مهماً من هذا الموروث حيث يرددها البحارة أثناء رحلات الصيد والغوص وتُعرف باسم "النهمة"، فيما يُطلق على مؤديها "النهّام" كما تُصنّف هذه الأهازيج إلى ثلاثة أنواع رئيسية: "اليامال"، المرتبط بالعمل على تثبيت السفينة، و"الخطفة"، الذي يُردد عند رفع الشراع، و"الحدادي"، الذي يُؤدى في أوقات الراحة للترويح عن البحارة.

وتلفت الدراسة إلى وجود تشابه بين أهازيج البحارة في الخليج واليمن، إذ تنقسم في اليمن أيضاً إلى ثلاثة أنماط رئيسية: أهازيج العمل التي تهدف إلى تنشيط البحارة أثناء تجهيز الشباك، وأهازيج الإبحار والتجديف التي ترافق رحلة الصيد ذهاباً وإياباً، إضافة إلى أهازيج متنوعة تختلف باختلاف مراحل الرحلة.

وتورد الدراسة نماذج من هذه الأهازيج اليمنية، مثل "هي له شي" في التجديف، و"هيله قدوم" عند التوجه إلى البحر، و"هيلي با نوش" في أعماق البحر، و"هيلي عابر" أثناء العودة، مؤكدة أن هذه الأهازيج تؤدي دوراً عملياً ونفسياً في حياة البحارة، وتعكس ارتباطهم العميق بالبحر بوصفه مصدراً للرزق والهوية.