تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

حب المهنة يتغلب على الإسفلت.. راعية في قلب العاصمة

بأصوات غير مفهومة أشبه بالشفرات، تنظّم المرأة الستينية التي يسميها الناس «الريمية» حركة القطيع، وتقوده في شوارع أمانة العاصمة المكتظة بالسيارات والمركبات والمارّة، بسلاسة وانسيابية كفريق متعاون ومنضبط ينفّذ التعليمات بدقة؛ حرصًا على سلامة أفراده.

صباحات حضرية برائحة الريف، وطقوس البداوة، تبدأها أسرة الريمي مع قطيع الغنم الذي تتمسّك به في قلب المدينة، وتعتبره العمود الفقري لاستقرار الأسرة ورافدها الاقتصادي.

منذ عقود من الزمن، تكفّلت مريم الريمية بمهمة الرعي للأسرة، وشهدت خلال هذه الفترة تحوّلات المكان والحياة في مناطق الجراف

تعقيدات التحضّر

تعيش أسرة الريمي شمال أمانة العاصمة في منزل شعبي، ملحق به فناء صغير خُصّصت أغلب مساحته كحضيرة تأوي قطيعًا يصل عدده إلى 15  رأساً من الأغنام والماعز.

ومنذ عقود من الزمن، تكفّلت مريم الريمية بمهمة الرعي للأسرة، وشهدت خلال هذه الفترة تحوّلات المكان والحياة في مناطق الجراف، التي كانت إلى وقت ليس ببعيد تُعدّ من الضواحي غير المزدحمة بالناس، وتكثر فيها المزارع وأماكن الرعي.

تؤكّد الريمية أن أحياء الجراف ومناطق شمال العاصمة كانت أشبه بمناطق ريفية، تنتشر فيها الزراعة وبساتين العنب والرمان والعديد من الفواكه، وكانت مهنة الرعي سهلة ومنتشرة بين الناس، لكن سرعان ما زحفت عليها حركة البناء والعمران، وتعقّدت فيها مهمة تربية الحيوانات.

ومع التغيّرات التي حدثت في المكان وتناقص المساحات الخضراء، طوّرت الريمية أسلوب الرعي، فلم تعد تتردّد على الأماكن غير المأهولة كما في السابق فحسب، وتغيّرت وجهتها إلى الأماكن القريبة من تجمّعات أصحاب بسطات الخضار والفواكه، الذين يرمون ببضائعهم التالفة فيها، علاوة على الأماكن التي تُرمى فيها بقايا الطعام.

وشدّدت الراعية المسنّة إجراءات الحماية وتنظيم الحركة والتنقّل بين أماكن متباعدة لقطيعها، الذي تتعامل معه كأفراد من العائلة، وتطلق على كل واحدة منها اسمًا تناديه به إذا ابتعدت عن القطيع، وتحرص على سلامتها.

تؤكّد الريمية أن أحياء الجراف ومناطق شمال العاصمة كانت أشبه بمناطق ريفية، تنتشر فيها الزراعة وبساتين العنب والرمان والعديد من الفواكه

اقتصاد طوارئ وثقافة متوارثة

ليس منظرًا غريبًا أن ترى الأغنام والماعز تعبر الشوارع الرئيسية أو الفرعية في العاصمة صنعاء، فأسرة الريمي ليست إلا واحدة من مئات الأسر التي تعيش في مديريات أمانة العاصمة العشر، وما تزال تمتهن الرعي، وتتمسّك بحيواناتها المجترّة لأسباب اقتصادية وثقافة اجتماعية.

وتتّفق أهداف الرعاة في الأرياف مع أسرة الريمي، التي ترى في الأغنام أصولًا مالية، واقتصاد طوارئ يمثّل مصدر حماية وتأمين للأسرة، لا سيما في حالات المرض، وتغطية نفقات الأعياد الدينية وشهر رمضان المبارك والظروف المفاجئة.

ولا توجد إحصائيات عن حجم انتشار الظاهرة في المدن اليمنية، ومنها أمانة العاصمة، إلا أن تقارير الإحصاء الزراعي تشير إلى أن حجم الثروة الحيوانية بشكل عام في اليمن بلغ ما يقارب 19 مليونًا و392 ألف رأس في العام 2018، وتحتل المركز الثاني من الناتج المحلي الزراعي بعد الإنتاج النباتي، بنسبة تتراوح ما بين 20% إلى 23%، مما يجعلها تمثّل عمودًا فقريًا للعديد من العائلات.

ومن اللافت للنظر أن الرعي في المدن الحضرية، في كثير من الأحيان، لا يرتبط بحاجة الأسرة الاقتصادية، فالعديد من العائلات التي تربي الأغنام والماعز ميسورة الحال، ولا تعوّل عليها في توفير متطلباتها، لكنها تمثّل لها امتدادًا عاطفيًا وثقافة اجتماعية متوارثة، لا سيما للأسر القادمة من المجتمعات الرعوية في الأرياف.

وغالبًا ما تربي هذه الأسر ما بين 3 إلى 7 أغنام في حضائر صغيرة جوار المنازل أو على أسطحها، وتعتمد عليها بشكل جزئي في توفير الحليب وأضحية العيد.

غالبًا ما تربي هذه الأسر ما بين 3 إلى 7 أغنام في حضائر صغيرة جوار المنازل أو على أسطحها، وتعتمد عليها بشكل جزئي في توفير الحليب وأضحية العيد

غربة من نوع آخر

الرعي في المناطق الحضرية أشبه بغربة من نوع آخر، ونبات زُرع في غير موطنه، تحيط به العديد من التعقيدات والتحديات التي لا تقتصر على انعدام العشب وارتفاع أسعار الأعلاف، التي قد يضحي الراعي ببيع عدد من رؤوس الماشية لشرائها والحفاظ على القطيع، فغالبًا ما تنشأ مشاكل مع الساكنين في المنازل المجاورة بسبب الروائح الكريهة والحشرات.

وفي حالة أسرة الريمي، كثيرًا ما يشكو الجيران من الروائح الكريهة وحشرات القمل التي تغزو منازلهم، لكنهم يقدّرون مدى ارتباط الأسرة بحيواناتها واحتياجها لها، ويتعاملون معها كأمر واقع يتقبّلونه ويتعايشون معه.

تقول الريمية: على الرغم من شكاوى الجيران أحيانًا، إلا أنها تربطها بهم علاقة قوية، وتتبادل معهم المنافع؛ ففي حين يقدّمون لها بقايا الخبز «الحثاور» كطعام للأغنام، تبادلهم بكميات من الحليب.

وتُعدّ حوادث السرقة أحد المشاكل والتحديات التي تواجه رعاة المدن، حيث توضّح الريمية أنها تتعرّض لمحاولات سرقة بين الحين والآخر، وتروي بحسرة قصة جريمة تعرّض فيها أحد الرعاة لحادثة سرقة بعد منتصف الليل، وفقد فيها كل أغنامه، التي بلغ عددها 11 رأسًا دفعة واحدة.

تجاهل الظاهرة

لا يقتصر وجود مهنة الرعي في المدن على العاصمة صنعاء، إذ تنتشر الظاهرة في جميع المحافظات اليمنية، خاصة مع توسّع عملية النزوح الناتجة عن الحروب الداخلية من الأرياف التي تحوّلت إلى مناطق مواجهات، وانتقالهم مع حيواناتهم المجترّة.

وعلى الرغم من توطين مهنة الرعي في المناطق الحضرية منذ القدم، إلا أنه لم يتم دراستها أو معرفة حجمها، أو وضع قواعد تنظّمها، لا سيما أنها تمثّل مشكلة تعيق جهود التشجير التي تنفّذها الجهات الحكومية، كصندوق النظافة والتحسين، وتعمل على تصحّر المساحات الخضراء وجزر الشوارع.