تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

غلاء الوقود يجبر الفلاحين على إهمال مزارعهم

في وادي قاع الحقل بمحافظة إب، يتابع المزارع ياسر الجباري بقلق أخبار ارتفاع أسعار الديزل، الذي يعتمد عليه في رفع المياه من البئر وري محاصيله الزراعية التي تتأثر تكاليفها بسعره.

يقول الجباري: "كنت أشتري صفيحة الديزل سعة 20 لترًا بنحو 2500 ريال قبل الحرب في العام 2014، واستمر السعر بالصعود حتى وصل إلى 10500 ريال. وخلال هذا العام، أقرت شركة النفط التابعة للحوثيين زيادة قدرها 1000 ريال، حيث وصل سعر البرميل إلى 100 ألف ريال."

ويضيف: "تستهلك مضخة الماء 20 لترًا من الديزل عند تشغيلها لمدة ساعتين، مما يجعل كلفة الري مرتفعة، ويزيد من أعباء المزارعين، لا سيما في المواسم التي تحتاج فيها المحاصيل إلى الري المتكرر."

أدى ارتفاع أسعار المشتقات النفطية في اليمن إلى زيادة الأعباء على المزارعين في المناطق الريفية، التي تمثل 75% من البلاد

ويستشهد الجباري بمحصول البطاطس، الذي يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، موضحًا أن زراعة مساحة 100 قصبة (ما يزيد على 2000 متر مربع) خلال موسم يمتد نحو ثلاثة أشهر قد تتطلب قرابة 110 دبات ديزل، أي ما يعادل 2200 لتر. ويمكن أن تصل تكلفة الري إلى مبالغ لا تغطيها عائدات بيع المحصول، وهو ما يرى أنه يترك المزارع مثقلًا بالديون بعد انتهاء الموسم في بعض الأحيان.

أعباء إضافية

أدى ارتفاع أسعار المشتقات النفطية في اليمن إلى زيادة الأعباء على المزارعين في المناطق الريفية، التي تمثل 75% من البلاد، ويعتمد فيها السكان على الزراعة بشكل أساسي.

وفي تلك المناطق الريفية، تزداد مشكلة الوقود تعقيدًا، سواء من حيث توفره أو من خلال إضافة بعض التجار تكاليف النقل إلى السعر، حيث يصل سعر صفيحة الديزل سعة 20 لترًا إلى 14000 ريال بالعملة القديمة.

وفي ريف محافظة الضالع، يقول المزارع محمد صالح، في حديثه لـ«يمن بلاتفورم»: "شحّة الوقود وارتفاع سعره يجعلان الأرياف تتحول إلى سوق سوداء تتضارب فيها الأسعار، ويكون المزارع وحده هو الضحية."

ويؤكد صالح أن الزيادة تؤثر بصورة مباشرة على المزارعين، خاصة الذين يستخدمون الآبار العميقة، إذ تحتاج مضخاتها إلى كميات أكبر من الديزل، ما يجعل تشغيلها مكلفًا ويحد من قدرة المزارعين على ري جميع المساحات التي يزرعونها.

ولم يؤثر ارتفاع تكاليف الوقود على عمليات الإنتاج فحسب، بل اتسعت المشكلة لتشمل تكاليف النقل، وانعكست تلك الزيادات السعرية بشكل مباشر على أسعار الخضروات والمحاصيل الزراعية، وتسبب في تكدسها وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين.

يرى همدان محمد، وهو تاجر في سوق الخضروات بمدينة دمت بالضالع، أن المزارعين يتكبدون تكاليف كبيرة في تشغيل مضخات المياه والجرارات الزراعية، ما يدفع بعضهم إلى رفع أسعار منتجاتهم لتعويض جزء من النفقات، إلا أن زيادة الأسعار لا تضمن تحقيق الأرباح، خصوصًا مع تراجع قدرة المستهلكين الشرائية.

ويوضح همدان، لـ«يمن بلاتفورم»، أن الانخفاض الكبير في كميات الخضروات التي تصل إلى السوق يرجع إلى أن بعض المزارعين باتوا يتجنبون إرسال كميات كبيرة من المحاصيل خشية تلفها، نظرًا لضعف الطلب.

ويقول همدان: «على سبيل المثال، في السابق كنت أبيع باليوم 20 سلة طماطم، لكن في الوقت الراهن انخفضت الكمية إلى قرابة خمس سلال، نتيجة ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين، الذين باتوا يركزون على شراء الاحتياجات الأساسية».

وفيما يخص تكاليف النقل، يؤكد همدان أن تكلفة نقل حمولة من الخضروات من مناطق مثل ماوية أو المخا إلى مدينة دمت ارتفعت من نحو 50 ألف ريال إلى 120 ألف ريال.

مشكلة عالمية

في المقابل، يؤكد المهندس عمار المتوكل، مدير محطات الوقود في شركة النفط اليمنية، أن ارتفاع الأسعار العالمية للمشتقات النفطية يفرض تحديات على جهود توفير الوقود، وتحاول الشركة تجاوزها بتقديم دعم من مخزونها بهدف توفير المشتقات للمواطنين، إلا أن الظروف الحالية حدّت من قدرة الحكومة على تقديم مزيد من الدعم، حسب قوله.

ويضيف المتوكل، لـ«يمن بلاتفورم»، أن شركة النفط تتعامل مع شكاوى المواطنين بشأن رفع الأسعار بالتنسيق مع المجالس المحلية، وترسل فرقًا إلى المناطق التي تسجل فيها مخالفات، وتحاول معالجة هذه الإشكالية بإرسال ناقلة صغيرة إلى الأرياف لتزويد المزارعين بالديزل وبيعه بالسعر الرسمي عند تقديم طلب إليها.

ويدعو المتوكل التجار الذين ينقلون الوقود إلى المناطق الريفية إلى الاكتفاء بمبالغ معقولة مقابل النقل، وعدم استغلال الظروف الاقتصادية لفرض زيادات إضافية، مشددًا على أهمية تقديم الشكاوى إلى السلطات المحلية عند حدوث احتكار أو رفع للأسعار.

حلول بديلة

بحسب الدكتور وجيه المتوكل، المدير العام للإنتاج النباتي بوزارة الزراعة، فإن أكثر من 95% من المشاريع الزراعية تعتمد على الري من المياه الجوفية، ما يجعل تشغيل المضخات واستخراج المياه من الآبار عنصرًا أساسيًا في تكلفة الزراعة، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار الديزل.

ويقول المتوكل، لـ«يمن بلاتفورم»: «المشكلة لا ترتبط بالوقود وحده، بل تشمل شح المياه في بعض المناطق، وغياب مصادر بديلة للري، واستخدام أساليب تقليدية مثل الري بالغمر، التي قد تزيد استهلاك المياه والأعباء على المزارعين».

ويوضح أن وزارة الزراعة تعمل على توعية المزارعين بترشيد استخدام المياه وتشجيع أساليب الري الحديثة، إلى جانب دعم شبكات الري في عدد من المناطق، إلا أن المواطنين يرون أن الانتقال إلى الأنظمة الحديثة للري يتطلب إمكانات مالية تفوق قدراتهم.

مساحات مهجورة

على الرغم من ارتفاع التكاليف، يواصل كثير من المزارعين العمل في أراضيهم لعدم توفر فرص عمل بديلة أو مصادر دخل أخرى، غير أن استمرار الإنتاج أصبح أكثر صعوبة مع تزامن ارتفاع الوقود مع تكاليف البذور والأسمدة والمبيدات والنقل، التي تتجاوز أسعار المبيعات.

وبحرقة، يقول الجباري: «بعض المزارعين اضطروا إلى تقليص المساحات التي يزرعونها، فيما لجأ آخرون إلى بيع أجزاء من أراضيهم أو تأجيرها لمزارعين يمتلكون قدرة مالية أكبر على تحمل النفقات».

وتكشف إفادات المزارعين أن ارتفاع أسعار الوقود لا يهدد أرباح موسم زراعي واحد فحسب، بل قد يؤثر في قدرتهم على مواصلة زراعة أراضيهم، وهو ما يفسر التراجع في زراعة بعض المساحات في الأرياف.

ومع تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف نقل المحاصيل، تمتد الأزمة إلى الأسواق والمستهلكين، الذين يتحملون جانبًا من أعباء أسعار الغذاء.

وفي ظل هذه الظروف، تبقى قدرة المزارعين على الاستمرار مرتبطة بتوفير الوقود بأسعار يمكنهم تحملها، وإمكانية الوصول إلى المياه وبيع المحاصيل بعائد يغطي تكاليف إنتاجها.