ارتبط اسم الشارع الرئيسي في المعلا، عدن منذ إنشائه عام 1961 بكونه الشريان التجاري الأبرز الذي يربط الميناء بقلب المدينة القديمة. هذا الشارع، الذي تم تخطيطه وبناؤه بهذا الطراز خلال فترة الخمسينيات من القرن الماضي، وصُنّف في الستينات كأحدث وأطول شوارع الجزيرة العربية، لم يتوقف عند كونه مركزاً للحركة والتبادل التجاري، بل ظل شاهداً حياً على تحولات المدينة وتبدل ملامحها.
اليوم، يستعيد الشارع حيويته وتستعيد مديرية المعلا ألقها بوجه نسوي جديد، حيث بدأت ملامح التغيير تظهر بوضوح عبر جيل من النساء اللواتي اخترن المعلا مكاناً لوضع بصمتهن الخاصة. ومن هذا الشارع الذي شهد تحولات المدينة، لا يزال اليوم يفتح ذراعيه لجيل جديد من النساء اللواتي قررن إضفاء لمستهن الخاصة على تجديد وجه المدينة القديمة.
وحين وصلتني دعوة فريق "فتيات المعلا" لحضور حفل تدشين كشك رائدات الأعمال، وهي عبارة عن مساحة خاصة بدعم وتمكين النساء، شعرتُ أن هناك فصلاً جديداً يجب أن يُكتب؛ فصلٌ يعيدنا لذاكرة "الجداريات" والآن هنّ يخطون نحو "تمهيد خطوات الفتيات الأولى نحو سوق العمل" من خلال صياغة مفهوم التمكين ببساطة، ومن قلب الاحتياج.

الجداريات.. حين ترمم الألوان وجه المدينة
قبل أن نصل إلى التمكين الاقتصادي، كانت الألوان تسبقنا لتعلن عن موقف؛ فقد نفّذ فريق فتيات المعلا عدداً من الجداريات التي تعتبر رسائل بصرية تُعبّر عن الدور الحقيقي للمرأة في الحراك السياسي والمجتمعي، ومناهضة العنف، والتأكيد على حقها في الكرامة والأمان.
لكن الأثر الأعمق تجسد في مشروع "كان في بيتنا حياة"؛ حيث اتخذت الفتيات من المباني المدمرة في المعلا مرسماً لهن، ليس فقط لتوثيق الحرب، بل لإعادة استحضار ملامح الحياة التي كانت تضج بها تلك البيوت قبل أن يسكنها الركام. هذه الجداريات التي لفتت انتباه الكثيرين كانت دعوة مفتوحة ولفتة ذكية للمانحين والجهات المعنية بإعادة الإعمار؛ للتأكيد على أن وراء كل جدار محطم قصة أسرة، وذاكرة إنسان، وحق مشروع في العودة والحياة.
وفي امتداد لهذا الحضور، وفي تمام الرابعة والنصف من عصر اليوم الأحد، الموافق 15 فبراير 2026، شهدت حديقة "براعم" في منطقة حافون بمديرية المعلا تدشين مساحة مخصصة لدعم وتمكين النساء. هذا المشروع جاء كثمرة للتعاون بين فريق فتيات المعلا والسلطة المحلية، وبدعم من "برنامج زمردة لتمكين المرأة" التابع لبنك الكريمي للتمويل الأصغر الإسلامي.
وتوضح شيماء شائع، نائب أمين عام الفريق، أن الكشك يحتضن في مرحلته الأولى منتجات 35 رائدة أعمال، بعد أن خضعت 25 فتاة لتدريبات مكثفة في مهارات متنوعة كالطبخ والخياطة والتطريز. واليوم، يحتضن الكشك منتجاتهنّ، حيث وجدن في هذه المساحة المجانية والآمنة حلاً لتحديات عرض وبقاء بضائعهن، ومنطلقاً مهنياً يجمعهن بجمهورهن في بيئة منظمة.
في طريق عودتي من حافون إلى المنزل، كنتُ أتأمل الشارع الرئيسي بعينٍ مختلفة تماماً. المعلا اليوم تزهو بعراقة بناياتها وفتياتها اللواتي يرسمن على جدرانها ويؤمنّ بأحلام بعضهنّ. فبين ريشةٍ تلون وجه المدينة بمواقف شجاعة لتعيد الروح للبيوت المتعبة، وبين مساحة تمكين تمهد لهنّ طريق الاستقلال، يظهر جلياً أن النساء هنّ القلب النابض لإعادة بناء هذه المدينة.

