تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

دمج النازحين ثقافياً: خطوة ضرورية نحو التماسك المجتمعي

في أحد مخيمات النزوح بمدينة الشحر شرقي حضرموت حيث تختصر الحياة في خيام متقاربة واحتياجاتٍ طارئة، لم يكن الصوت الذي شد انتباهي عند زيارتي للمخيم صوت مولّدٍ كهربائي أو نداء توزيع مساعدات، بل نغمة صافية خرجت من حنجرة طفل كان اسمه عُمر.. صوته الجميل ينساب بعفوية كأنه يستعيد فضاء سُلب منه مبكرًا. توقفت متعجبًا ذلك الصوت الجميل الذي يحمل رسالة تقول: أنّ في هذا المكان القاسي طاقات إنسانية لا تزال حية وتبحث عن نافذة تُرى من خلالها. عمر لا يملك منصة ولا يعرف جمهورًا لكنّه يملك ما يكفي ليذكرنا بأن الثقافة قد تولد في أكثر الأماكن قسوة.

غير بعيد عن خيمة عمر تقف فاطمة، نازحة تحمل أقلامًا وأوراقًا أكثر مما تحمل من متاع. تتقن الرسم وتبدأ لوحاتها بخطوط حذرة، ثم تترك للألوان أن تحكي ما لا يقال، غير أنّ موهبتها مثل كثير من مواهب النازحين. بلا احتضان ولا اكتشاف ولا جهة تبحث عنها ولا برنامج يفتح لها باب العرض أو التعلم.

هاتان القصتان  تكشفان جوهر الإشكالية، إذ يُختزل النازح في الخطاب العام بوصفه متلقي مساعدات فقط وينظر إلى احتياجاته من زاوية الغذاء والمأوى والدواء؛ بينما يغفل بُعد أساسي من إنسانيته. حقه في التعبير وفي الثقافة وفي أن يكون فاعلًا لا مجرد حالة إنسانية. فحين تقصى الثقافة من برامج الاستجابة  تهمش معها فرص التعافي النفسي وإعادة بناء الثقة وخلق جسور التعايش بين النازحين والمجتمع المضيف.

ولأن الاستجابة الإنسانية تركّز غالبًا على الغذاء والمأوى والصحة وهي أولويات لا خلاف عليها، فإنّ الاكتفاء بها يترك فراغًا نفسيًا واجتماعيًا يتسع مع الوقت،  يتمثل في العزلة وفقدان المعنى وتآكل الروابط داخل المخيمات، وهنا تبرز الثقافة كأداة عملية  فمن خلال أنشطة بسيطة كالغناء والرسم والكتابة تخلق مساحات آمنة للتعبير، وتُستعاد الثقة بالنفس وبالآخر وتبنى جسور تواصل بين النازحين والمجتمع المضيف خصوصًا لدى الشباب والنساء الأكثر تأثراً بتجربة النزوح.

يُحدثني أحمد باحب مسؤول أحد مخيمات النزوح قائلا: "للأسف لم يأتِ أحد ليسأل عن الإبداعات أو المواهب الموجودة في المخيم وأغلب الزيارات تقتصر على حصر الاحتياجات الإنسانية فقط بينما تترك طاقات الأطفال والشباب دون أي اهتمام".

ويضيف باحب: "لدينا أطفال يمتلكون أصواتًا جميلة وشباب يجيدون الرسم والكتابة،  ونساء لديهن مهارات فنية واضحة، لكن لا توجد جهة أتت إلينا تبحث عن هذه المواهب أو تحاول تنميتها".

الثقافة كجسر للتماسك الاجتماعي، والتجارب الدولية دليل فعال

إنّ دمج النازحين في الفعاليات والبرامج الثقافية من مهرجانات محلية وورش فنية وعروض موسيقية ومعارض يسهم في تفكيك الصور النمطية، فحين يقف النازح على المسرح أو تُعلّق لوحته في معرض أو ينشر نصه في صحيفة يتحول من (حالة إنسانية) إلى فاعل ثقافي له صوت وقصة وإسهام.

إنّ تجارب دولٍ عانت من النزوح والصراعات تشير إلى أن الاستثمار في الثقافة يوازي في أثره بعيد المدى الاستثمار في البنية التحتية؛ فالثقافة تُرمّم ما لا يُرمّمه الإسمنت، وتتجلّى أهمية الدمج الثقافي بوضوح لدى الشباب والنساء من النازحين، فهؤلاء غالبًا ما يتحمّلون أعباء مضاعفة ويحرمون من فرص التعبير والمشاركة والثقافة تمنحهم لغة بديلة للتعبير وتفتح أمامهم مسارات للتعلم وبناء المهارات وربما فرصًا اقتصادية لاحقًا.

ويدعم هذا الطرح تجارب دول عانت من النزوح والصراعات، ففي كولومبيا جرى توظيف الموسيقى والمسرح المجتمعي ضمن برامج دمج النازحين والمتأثرين بالنزاع، وأسهمت هذه الأنشطة في إعادة بناء الثقة داخل المجتمعات المحلية والحد من العنف الاجتماعي. وتنفذ بعض المنظمات العربية مثل منظمة العمل للأمل قوافل إغاثة ثقافية في مخيمات اللاجئين والنازحين في لبنان والأردن، حيث تشمل هذه القوافل ورشًا فنيةً وعروضًا ومراكز ثقافية تُقدم للفنانين والمجتمعات المحيطة بالقرب من المخيمات،  وتهدف إلى التدريب على الفنون وحضور أنشطة ثقافية مع السكان المحليين ما يساهم في خلق تفاعل ثقافي واجتماعي بين اللاجئين والنازحين والمجتمعات المضيفة بدل الاقتصار على مساعدات الإغاثة فقط.

كما تُعد أوغندا واحدة من الدول الأفريقية التي سبقت غيرها في التعامل مع قضايا النزوح الداخلي عبر سياسات وطنية وإجراءات عملية هدفت إلى حماية حقوق النازحين وتسهيل اندماجهم داخل المجتمع لا الاكتفاء بالنظر إليهم كعبء إنساني مؤقت، ومن بين النماذج اللافتة في هذا السياق مشروع Paper to Pearls وهو مبادرة إنتاجية نُفذت داخل مخيمات النازحين وتحديدًا في شمال البلاد، برز نموذج ثقافي لافت استهدف النساء النازحات عبر إحياء الحِرف اليدوية بوصفها شكلًا من أشكال التعبير الثقافي. فقد جرى تدريب النساء على تصميم حُليّ يدوية من ورق معاد تدويره كعمل فني يعكس الذائقة المحلية ويعيد الاعتبار للمهارات الحرفية كجزء من الهوية الثقافية، حيث اقترن التدريب الفني ببرامج داعمة مكّنت النساء من عرض أعمالهن والتعريف بها داخل المعارض والفعاليات المجتمعية، ويظهر هذا النموذج كيف يمكن لتدخل ثقافي بسيط أن يحول النازحات من متلقيات للمساعدات إلى فاعلات ثقافيًا واجتماعيًا يسهمن في إثراء المشهد المحلي وتعزيز التماسك المجتمعي.

سياسات ثقافية شاملة

لتحقيق هذا التحول لا بد من سياسات ثقافية شاملة تتبنّاها الدولة والمؤسسات الثقافية والجهات المحلية بالشراكة مع المنظمات الإنسانية.. سياسات تعترف بحق النازحين في الوصول إلى الثقافة وتدرجهم ضمن خطط الفعاليات والبرامج على سبيل المثال فتح الفعاليات العامة أمام مشاركة النازحين، وتقديم تسهيلات لوجستية أو تصميم برامج اكتشاف مواهب داخل المخيمات والمجتمعات المضيفة، كذلك دعم المبادرات المشتركة التي تجمع فنانين من النازحين والمجتمع المحلي،  وتوثيق القصص الإنسانية والإبداعية وإيصالها إلى الإعلام وغيرها من البرامج والأنشطة.

غياب البرامج الثقافية عن مخيمات النزوح يعود  إلى غياب الرؤية التي ترى في النازح شريكًا في الحياة العامة لا عبئًا عليها. فالثقافة حين تُقصى تختزل إنسانية الإنسان وحين تدمج تفتح مسارات جديدة للتعافي الفردي والجماعي.

الثقافة أداة لإعادة التعريف بالإنسان

في اليمن البلد الذي أنهكته الحرب تبرز الثقافة كأحد مداخل بناء السلام فهي من المساحات القليلة التي لا تزال قادرة  على جمع المختلفين خارج منطق الاصطفاف. ويكفي تأمل كيفية تفاعل اليمنيين على اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم مع خبر فوز كروي أو هدف في مباراة دولية، أو مع أغنية لفنان محبوب؛  لندرك أنّ الثقافة تملك قدرة فريدة على تعليق الخلاف مؤقتًا وإعادة تعريف الناس لأنفسهم بوصفهم جمهورًا واحدًا، ففي تلك اللحظات يتراجع خطاب الانقسام ويعلو الشعور بالمشاركة والانتماء ويُستعاد الإنسان ككائن يتفاعل ويشترك في الفرح والذاكرة والذائقة العامة.

كما أنّ الرهان على الثقافة في سياق النزوح يعد استثمارًا  واعيًا في مستقبل المجتمع نفسه،  فالتجارب والمشاهد اليومية من أصوات الأطفال في المخيمات إلى أعمال النساء الفنية ونصوص الشباب تكشف أنّ النزوح لم يلغِ القدرة على الإبداع،  وحين نمنح هذه الطاقات منصات للتعبير نعيد إدماجهم في الفضاء العام بوصفهم فاعلين ثقافيين قادرين على تحويل تجربة الفقد إلى معنى والعزلة إلى مشاركة ونظهر إبداعات النازحين ونوصل رسالة أنّ الإبداع والمواهب موجودة أيضًا في مخيمات النزوح.