تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

بين رمزية القوة وضغوط المعيشة.. هكذا يعيد اليمنيون تشكيل ثقافة الأسرة الكبيرة

أمام منزله الريفي بمديرية مزهر في محافظة ريمة، يقف السبعيني عبدالله علي، يراقب أحفاده بنوع من الفخر والارتياح، وهم يلعبون جوار البيت وينتشرون في المكان.

"من خلّف ما مات"، بهذه العبارة يعبر الحاج علي عن سعادته برؤية أبنائه وأحفاده يتكاثرون ويملؤون المكان حياةً وحركةً، وتتمدد معهم العائلة وتزداد قوتها.

بالنسبة له، لا تحمل العبارة الفرحة بالإنجاب، وإنما تصورا كاملًا لمعنى البقاء، الذي لا ينتهي عند موت الإنسان، بل يبقى عبر الامتداد العائلي الذي يحمل اسمه.

داخل هذا التصور، يرى البعض أن كثرة الأبناء تجعل الإنسان يشعر بالاكتفاء والاستمرارية، وتوجد سند اجتماعي يثبت حضور الأسرة داخل محيطها.

تحمل الأسرة الكبيرة تصوراكاملًا لمعنى البقاء، الذي لا ينتهي عند موت الإنسان، بل يبقى عبر الامتداد العائليالذي يحمل اسمه

رمزية القوة والمكانة

ثقافة الأسرة الكبيرة في اليمن لا تُفهم بوصفها سلوكًا فرديًا، وإنما باعتبارها جزءًا من بنية اجتماعية متجذرة داخل العائلة والمجتمع القبلي.

ومن وجهة نظر المسنة نصرة صالح، فإن فكرة الأسرة الكبيرة لم تكن تخص الرجال فقط، وتشاركهم النساء الرؤية ذاتها أيضًا، باعتبار الكيان الكبير يمتلك القدرة على الإنجاز والحماية.

تقول نصرة لـ"منصة اليمن": كثيرًا من النساء كن ينظرن إلى الأبناء باعتبارهم رأسمالًا اجتماعيًا، مع الميل إلى الذكور بوصفهم امتدادًا للعمل والمسؤولية والعائلة.

وترى أن البيت الممتلئ رجالًا عامر وقوي، ولهذا لم تشعر بالرضا الاجتماعي الكامل إلا بعد أن كبر ابنها الوحيد وكثر أولاده.

تاريخيًا، تشكلت الأسرة الكبيرة في اليمن قبل ظهور الدولة الحديثة، لتقوم بوظائف متعددة، كالإنتاج من خلال الزراعة والرعي، وتوفير شبكات دعم اقتصادية واجتماعية، وحماية أفرادها في ظل غياب مؤسسات الدولة، كما يؤكد أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء خالد عمر.

يقول الدكتور عمر لـ"منصة اليمن": "في الماضي كان التوسع في عدد الأبناء حاجة عملية مرتبطة بالبقاء، خصوصًا في بيئات تقوم على العمل الجماعي وتواجه تحديات اقتصادية وأمنية مستمرة."

العائلة في الموروث الثقافي

فكرة كثرة الأبناء في الوعي اليمني لا يمكن فصلها عن البنية الثقافية التقليدية للمجتمع، التي عززتها الأمثال المتداولة والقصص الشعبية والخطاب اليومي داخل القرى والبيئات الريفية.

وبحسب الباحث في الثقافة الشعبية واللهجات اليمنية نبيل الفودعي، فإن الثقافة الشعبية القديمة كانت تنظر إلى "الولد" رمزًا لقوة العائلة، ولذلك ارتبطت قيمة البيت بعدد رجالها وحضورها الاجتماعي، وهو ما يظهر بوضوح في عدد من الأغاني الشعبية والأمثال التي ما تزال تتردد حتى اليوم في بعض المناطق.

ويورد الفودعي في حديثه لـ"منصة اليمن" عددا من الأمثال المتداولة والراسخة، من أبرزها: "ما مال إلا رجال"، و"ما بيت من رجال يشتد بهم الظهر"، كتعبير عن أن القوة الحقيقية لا تُقاس بما يملكه الإنسان من مال، وإنما بما يحيط به من سند اجتماعي وكثرة عدد الأبناء والأقارب.

ويضيف، أن هذه الثقافة الشعبية كانت حاضرة بقوة، وما تزال قائمة في البيئة الزراعية والقبلية، نتيجة لأن الحياة اليومية تقوم على التعاون داخل الأسرة.

فكرة كثرة الأبناء في الوعياليمني لا يمكن فصلها عن البنية الثقافية التقليدية للمجتمع، التي عززتها الأمثال المتداولةوالقصص الشعبية داخل البيئات الريفية

تحولات المفاهيم

لم تعد ثقافة الأسرة الكبيرة ثابتة كثيرًا في الوقت الراهن، وساهمت التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وانتشار التعليم، في تغيير هذه النظرة.

هذا ما تؤكده البيانات الديموغرافية حول التحول في حجم الأسرة اليمنية خلال العقود الأخيرة، إذ تشير نتائج المسح الوطني الصحي والديموغرافي لعام 2013 إلى انخفاض معدل الخصوبة الكلي من نحو 6.5 أطفال للمرأة خلال الفترة 1995-1997 إلى 4.4 أطفال خلال الفترة 2011-2013.

غير أن هذا التراجع لم يكن متساويًا بين الريف والمدينة؛ فقد ظل معدل الخصوبة أعلى في المناطق الريفية بواقع 5.1 أطفال للمرأة، مقابل 3.2 أطفال في المناطق الحضرية، مما يعكس اختلاف مفاهيم تكوين الأسرة بين البيئات الريفية والمدنية.

يقول محمد علي، أحد أعيان منطقة العود في الضالع، لـ"منصة اليمن": "معايير المكانة داخل المجتمع تغيرت عن الماضي، والبيت الكبير إذا كان فيه رجال يشتغلون ومنتجون يكون له مكانة، والناس تحسب له حساب. أما كثرة العدد بدون عمل، فترهق الأسرة ولا تفيدها".

ويرى علي أن كثرة الرجال داخل الأسرة كانت في السابق تعني أن الجميع يعمل، سواء في الأرض، أو شؤون البيت، أو يحمي الأسرة عند الحاجة، أما اليوم فلم يعد هذا المعنى حاضرًا بالطريقة نفسها مع تغيّر ظروف العمل والمعيشة.

ويتفق معه الدكتور خالد عمر، الذي يرى أن معنى القوة نفسه بدأ يتغير داخل المجتمع اليمني. فبينما كانت الأسرة سابقًا تُبنى على فكرة التوسع العددي لتأمين الحماية والإنتاج، بدأت الأجيال الجديدة تربط القوة أكثر بالقدرة الاقتصادية والتعليم والاستقرار.

ويشير عمر إلى أن هذا التحول لا يعني انهيار الأسرة الممتدة، بل تغير الوظائف التي تؤديها، إذ لم يعد العدد وحده كافيًا لصناعة المكانة.

شهدت المجتمعات تحولاتفي ربط المكانة الاجتماعية بالأسرة الكبيرة، وساهمت التغيرات الاقتصادية والاجتماعية،وانتشار التعليم، في تغيير هذه النظرة

إعادة تشكيل الفكرة

الأسرة الكبيرة ما تزال تحمل قيمة إيجابية من وجهة نظر الشباب، لكن ليس بالطريقة ذاتها التي عرفتها الأجيال السابقة، وتُقاس حاليًا بالقدرة على التربية والتعليم وصناعة أبناء قادرين على بناء مستقبلهم.

ويرى شباب عدد من الشباب التي التقتهم معدة التقرير، أن الظروف الاقتصادية جعلت الأسرة أكثر وعيًا بمسؤوليات الإنجاب، لكنها لم تُلغي الفكرة نفسها، بل جعلتها تكاليف المعيشة وصعوبة العمل تعيد التفكير في الشكل الذي تريد بناءه.

ويخلص عمر، إلى أن ما يشهده المجتمع اليوم يعكس تداخلًا بين الموروث الاجتماعي والتحولات الحديثة، أكثر من كونه قطيعة مع فكرة الأسرة الكبيرة، فالمعنى التقليدي الذي تشكل داخل الموروث، وربط القوة بكثرة الأبناء واتساع العائلة، ما يزال حاضرا في الوعي العام، لكنه يتعرض لإعادة تشكيل بفعل متغيرات الحاضر.

وعلى الرغم من بروز الأسرة الصغيرة في المدن كونها خيارًا أكثر قابلية للاستمرار، حافظ الريف، بدرجات متفاوتة، على قيمة الامتداد العائلي، نظرا للاختلافات في مستوى التعليم والهجرة إلى المدن والتغيرات الاقتصادية، كما يؤكد الدكتور عمر.

في الوقت الراهن تغيرتمفاهيم القوة ذاتها ولم تعد تُبنى على فكرة التوسع العددي لتأمين الحماية والإنتاج،وإنما بالقدرة الاقتصادية والتعليم والاستقرار