في غرفة تزينها إبداعات بصرية لافتة، تقف الشابة هديل محمود مبتسمة، تتأمل الصور التي التقطتها مؤخرًا في أرجاء مدينة تعز.
هذه الشابة التي تعيش منذ تسع سنوات مبتورة الكفين بسبب انفجار قذيفة، تواصل كفاحها في حقل الإعلام، وقد اقتحمت مؤخرًا عالم التصوير الفوتوغرافي، متجاوزةً بصلابة كل التحديات الجسدية التي لم تقف يومًا عائقًا أمام إصرارها.
وشاركت هديل، طالبة الإعلام بجامعة تعز يوم الأربعاء 1 يوليو/تموز 2026 في معرض للمصورين من ذوي الإعاقة، أُقيم في مقر "مؤسسة بيسمنت الثقافية" بتعز، بتنظيم من "المركز المدني للدعم والمناصرة".

رسائل من قلب المعاناة
في المعرض البصري، كانت هديل ترتدي الزي التعزي التقليدي المزين بالمشاقر، وشرحت لـ"يمن بلاتفورم" المعاني الرمزية التي تحملها صورها في المعرض.
فمن بين أعمالها صورة لبائعة "اللحوح" التي تكافح من أجل العيش في بلد يواجه واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، وصورة لرجل مسن في شوارع تعز يكسب قوت يومه من الميزان، الذي يزن به أجساد الناس، بينما تبرز ملامح ابتسامته رغم قسوة العمل تحت حرارة الشمس الملتهبة.
كما التقطت عدسة هديل صورة لامرأة تعاني من اضطراب نفسي وتفترش الرصيف بلا مأوى، لتسلط الضوء على قصص الكثير من اليمنيين الذين يعانون من أوضاع مأساوية في ظل الحرب.
وفي المقابل، وثقت هديل في صورة أخرى رجلين مسنين يتجاذبان أطراف الحديث، وكأنهما يستحضران زمنًا جميلًا خاليًا من الحروب، بالإضافة إلى صور للأواني الفخارية المعروضة في أسواق تعز، كرمز للتراث والهوية اليمنية.
وفي تعليقها على هذه اللحظات، تقول هديل: "أشعر بفخر كبير وسعادة لا توصف حينما أرى الزوار يتأملون كل صورة ويستمعون إلى قصتها، فالفعالية لم تكن مجرد عرض صور، بل كانت تحقيقًا لحلم ورسالة أردت أن أوصلها إلى المجتمع."
.jpeg)
وتؤكد هديل أن الإعاقة لا تمنع الإنسان من أن يكون مبدعًا، وأن الموهبة تحتاج فقط إلى من يؤمن بها ويمنحها الفرصة.
وأعربت عن أملها بأن تكون هذه المبادرة بداية لمعارض وفعاليات أخرى تفتح الأبواب أمام المزيد من المبدعين من ذوي الإعاقة في تعز واليمن بشكل عام، مشيرة إلى أن الصورة تستطيع أن تنقل صوتًا ورسالة تصل إلى الجميع.
عدسة تعانق الأمل
وفي المعرض ذاته، التقت "يمن بلاتفورم" الشاب الجامعي يونس، الذي فقد طرفيه السفليين وكفه اليسرى إثر انفجار قذيفة هاون قبل سنوات.
يدرس يونس في مجال تقنيات المعلومات، لكن حبه للتصوير جعله يشارك بمجموعة صور متنوعة تحكي واقع المعاناة التي يعيشها الأشخاص ذوو الإعاقة، وسط تمسكهم بالأمل.
يقول يونس إن إعاقته لم تثنه عن مواصلة شغفه بالتصوير، الذي طالما أحبه منذ سنوات عديدة، لتوثيق اللحظات المهمة في حياته.
وعلى الحائط المخصص لأعماله، برزت صورة لشاب مبتور يقف على عكازتين، ينظر بتأمل نحو المستقبل، وكأنه يوجه رسالة لليمنيين بأن الحياة تمضي رغم الجراح، بالإضافة إلى صورة لطفل يمني يحمل ملامح البراءة والأمل.

تمكين وإدماج
من جانبها، أوضحت دعاء الأثوري، المديرة التنفيذية للمركز المدني للدعم والمناصرة، أن المعرض يهدف إلى تعزيز الدمج المجتمعي للمصورين من ذوي الإعاقة.
وحول خلفية هذا المعرض، أفادت في بيان بأن المركز قام بتدريب 10 مصورين من ذوي الإعاقة على فنون التصوير الفوتوغرافي، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج أعمالهم الفنية.
وأضافت الأثوري أن المتدربين خرجوا إلى الميدان عقب استكمال تدريبهم، ليلتقطوا بعدساتهم رؤيتهم الخاصة لمجتمعاتهم، ويؤكدوا أن الإبداع لا يعترف بالقيود الجسدية.


