على أطلال حصن دار الحيد في مدينة الضالع، يقف المؤرخ والباحث في التراث اليمني شايف الحدي متحسرًا على حالة الإهمال والضياع الذي طال المعلم التاريخي الهام، وأوشكت ملامحه أن تُمحى.
شُيّد الحصن في القرن الخامس عشر ثم أصبح مقرا لحكم إمارة الضالع، في القرن التاسع عشر، وموقعًا دفاعيا مهما بحكم إطلالته الاستراتيجية، غير أنه يواجه اليوم خطر الانهيار بعد تعرض أجزاء من جدرانه لتشققات وتآكل في مبانيه.

معالم بلا حماية
في محافظة الضالع، لا تبدو المعالم التاريخية مجرد شواهد على الماضي، وإنما صفحات مفتوحة لتاريخ طويل، في زمن يكاد يطويها الإهمال، وتعجز عن الصمود والحفاظ على وجودها، وما تحمله من قيمة حضرية.
المدرسة المنصورية واحدة من أهم معالم الضالع، التي شُيّدت عام 887هـ في عهد السلطان الطاهري المنصور عبدالوهاب بن داود، كمركز علمي وديني بارز، وتتميز بطابع معماري فريد وزخارف جصية ونقوش قرآنية متنوعة، تعرضت للإهمال وطمرت أجزاء منها بالأتربة وتضررت بعض مرافقها نتيجة غياب الصيانة والترميم، إلى جانب ما طالها من عبث في فترات سابقة. كما يؤكد مدير مكتب آثار مديرية جبن سيف علي الدبيشي.
الإهمال ذاته طال جسر السلطان عامر عبدالوهاب التاريخي، الذي يربط بين دمت وجبن وكان ممرًا رئيسيًا للقوافل التجارية خلال فترة الدولة الطاهرية، حيث قصفها الطيران خلال الحرب الأخيرة عام 2016، وتم إعادة ترميمه بطريقة عشوائية.
يقول الباحث في التراث والمؤرخ شايف الحدي لـ"منصة اليمن" إن محافظة الضالع تضم الكثير من المعالم التي تحمل قيمة تاريخية كبيرة، وتوثق مراحل مختلفة تمتد من الممالك اليمنية القديمة إلى الفترات الإسلامية، إلا أن ما تتعرض له من إهمال وغياب أعمال الحماية والترميم يجعلها عرضة للاندثار التدريجي.
ويؤكد أن الحالة التي صار عليها حصن الحيد تعكس وضعًا عاما تعاني منه معظم المواقع الأثرية، خاصة الواقعة في المناطق الجبلية وتواجه مخاطر التخريب والنبش.

ذاكرة منهوبة
لم يقتصر التدهور على المواقع المفتوحة، وامتدت أيادي العبث إلى المؤسسات الثقافية، كمتحف الضالع، الذي تعرض لعمليات نهب وسرقة لعشرات من المقتنيات الأثرية خلال حربي 1994 و2015، وفترات زمنية متعددة.
وبحسب مدير مكتب الثقافة بالمحافظة علي سنان أن المواجهات المسلحة أضعفت وسائل الحماية للمؤسسات الثقافية والمعالم المفتوحة على حد سواء، وساهمت بشكل كبير في عمليات التدمير والسرقة للأماكن والمقتنيات الأثرية، خاصة في المواقع التي تقع في نطاقات بعيدة مثل الضبيات والشعيب وجحاف.
ويؤكد سنان، أن المشكلة لا تتوقف على فترة الحرب، التي حولت بعض المواقع إلى ساحات صراع، فعمليات التخريب مستمرة في ظل ضعف الإمكانيات الرقابية، وغياب الموازنات الحكومية الخاصة بالحفاظ على الآثار.

مهمة إنقاذ
إزاء ما تواجهه المعالم التاريخية في محافظة الضالع من مخاطر محدقة، تتزايد الدعوات لوضع حلول عملية لحمايتها بوصفها جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية والتاريخية.
ولهذا يرى الباحث في التراث والسياحة محمد سبأ أن حماية هذا الإرث تتطلب تحركًا عاجلًا من الجهات الرسمية والمجتمع المحلي معا، من خلال منع البناء أو النبش في المواقع الأثرية، وتوفير حراسة أمنية للحد من العبث والتعدي عليها.
ويؤكد أهمية تفعيل دور الإعلام والمؤسسات الثقافية في نشر الوعي بقيمة هذه المعالم، وتعزيز ثقافة الحفاظ على التراث، باعتبار أن المجتمع المحلي يشكل خط الدفاع الأول، ويجب تفعيل دوره في الإبلاغ عن أي محاولات تخريب أو نهب.
ويتفق معه مدير مكتب الثقافة بالضالع حول خطورة الوضع وما يتطلبه من إجراءات عاجلًة تشمل الحماية والترميم واستعادة المقتنيات المنهوبة، وتنفيذ برامج إعادة تأهيل لإنقاذ ما تبقى من آثار قبل أن تضيع نهائيًا، وعدم اكتفاء الجانب الحكومي بزيارات ميدانية ووعود لا تُنفذ.
ويشدد سنان على أن حماية التراث تتطلب دعم المكاتب المختصة بالآثار وتفعيل دورها، وتوفير الكوادر المتخصصة والبعثات الأثرية لإجراء أعمال التنقيب والدراسة والتوثيق.

مستقبل واعد
ما تزال الضالع تحتفظ بعدد من المواقع الأثرية غير المعروفة على نطاق واسع، وبنقوش مسندية وأطلال قديمة منتشرة في الجبال والوديان لم تحظ بالدراسة والتوثيق.
وفي حال حظيت هذه الآثار باهتمام حكومي ومجتمعي، ونفذت برامج صيانة وترميم، وحملات إعلامية ترويجية، سيكون للمحافظة مستقبل سياحي واعد، كما يؤكد الباحث الحدي.

