في قرية القطنة بمحافظة الحديدة، وبين تفاصيل الحياة الريفية الهادئة، يعكف أحمد رزيق (55 عاماً) على بناء منزل جديد على الطريقة التقليدية التي تقوم على القش والخشب والحبال، والتي تُسمى محلياً بالعُشّة، استعداداً لتجهيز نجله للزواج وبدء حياته المستقلة.
ما يقوم به رزيق من أعمال بناء تحت أشعة الشمس الحارقة، على الرغم من بساطتها، ليست مجرد عمل عادي، وإنما مدخلاً لفهم فلسفة حياة وثقافة متجذرة في ريف تهامة، لمسكن متواضع يتوافق مع طبيعة ومناخ الحياة الساحلية ونمط معيشتها.
يقول رزيق: "العُشّة تُبنى من المواد المتاحة في الطبيعة، وتعد المسكن الأنسب لأهالي القرية؛ لأنها تناسب الجو الحار، وطريقة حياتنا، وظروفنا، وإمكاناتنا المادية."

هندسة متوارثة
يقوم بناء العُشّة على خطوات متعارف عليها ومتوارثة عبر الأجيال في المناطق التهامية، تقوم بشكل أساسي على القش الذي يسمى "الثمام"، والخشب، والحبال المحلية التي تُصنع من ألياف النخل والسدر، كما يؤكد بنّاء العُشَش عبد الله علي.
يقول علي في حديثه لـ"منصة اليمن": "عملية البناء ليست عشوائية، وتبدأ بتحديد مساحة الأرض، التي تكون ما بين أربعة إلى خمسة أمتار، وتُحفر فيها قواعد الأعمدة بعمق يتراوح بين 40 و50 سنتيمتراً، ثم تُثبت الأخشاب فيها وتُربط بالحبال لتشكيل الهيكل الأساسي."
ويضيف: "يُستكمل بناء الهيكل العلوي، ويُثبت فوقه طربال ليكون بمثابة طبقة عازلة تحمي العُشّة من الأمطار والرياح، قبل رص نبات الثمام "القش" على الجوانب الخارجية بصورة متراصة ومستقيمة، ثم يُربط بالكامل بطريقة محكمة حتى تكتمل العُشّة من الخارج."
وبحسب دراسة بعنوان "الزرانيق ودورهم في اليمن" للدكتور عبد الودود قاسم مقشر، نائب عميد كلية الآداب بجامعة الحديدة، تبدأ عملية البناء بإنشاء الأساس الدائري المعروف بـ"الساس"، ثم يُشد أعلاه بحزام من الأغصان، وبعدها تُثبت أخشاب القبة أو الضلوع المصنوعة من السدر أو العرج أو الذرح، وتُربط بأغصان رفيعة وحبال حتى يكتمل الهيكل، ثم يُكسى بالقش.

العُشّة والعُش
يرجع أستاذ التاريخ عبد الودود قاسم مقشر جذور تسمية العُشّة إلى كلمة العُش (بيت الطائر)، نظراً للتشابه في استخدام المواد وطريقة البناء.
ويشير في دراسته إلى أن المسكن التهامي لا يقتصر على العُشّة وحدها، بل يضم مرافق أخرى، مثل العريش المخصص للجلوس، والسقيفة للنوم في أوقات الحر، وسور البيت المبني من الأشجار الشوكية أو الطين وروث الماشية.
ويلعب نوع الخشب دوراً رئيسياً في تحديد عمر العُشّة، لذلك يفضل الأهالي خشب السدر المعروف محلياً بـ"العرج"، لما يتميز به من صلابة ومقاومة للعوامل الطبيعية، علاوة على جودة القش الذي قد يصمد لسنوات طويلة.

تكييف طبيعي
لا تقتصر وظيفة العُشّة على توفير المأوى، بل صُممت لتتلاءم مع البيئة الساحلية الحارة في تهامة، حيث تسمح فتحات العُشّة بمرور الهواء بصورة طبيعية، فتقلل حرارة الداخل، وهو ما يجعلها أكثر راحة خلال الصيف مقارنة ببعض المباني الحديثة.
وبحسب هزاع كداف، المهتم بالمناخ، تمثل العُشَش نموذجاً عملياً للتكيف مع الحرارة والرطوبة المرتفعة، إذ تمتاز موادها الطبيعية، كالطين والقش، بقدرتها على العزل الحراري، ما يساعد في خفض درجات الحرارة داخل المسكن دون الحاجة إلى وسائل تبريد حديثة.
ويرى هزاع كداف أن تصميم العُشّة جاء نتيجة فهم طويل لطبيعة المناخ، فالقبة أو الشكل المخروطي يساعدان على انسياب مياه الأمطار وعدم تراكمها فوق السقف، كما يسهمان في تحسين حركة الهواء داخل المسكن.
ويضيف أن الطبقة العازلة الداخلية التي يضعها البنّاء قبل تغطية السقف بالقش ترفع كفاءة العزل الحراري، وتحد بشكل كبير من تسرب الأمطار والرياح.
ويتفق معه الباحث في التراث والعمارة التقليدية الدكتور أحمد يونس، في أن هندسة العُشّة، سواء من حيث الشكل الدائري أو البيضاوي، أو من حيث أدوات البناء القائمة على الطين المخلوط بالألياف النباتية، تسمح بمرور الهواء وتخفف من حرارة الداخل، فيما تساعد الأسقف المقببة أو المائلة على تعزيز التهوية الطبيعية.
العُشّة في الذاكرة التهامية
تنتشر العُشَش في معظم مناطق سهل تهامة، مع اختلافات بسيطة في المواد المستخدمة نتيجة مدى توافر المواد المتاحة في البيئة المحلية، ويمكن أن تبقى هذه المساكن لسنوات طويلة إذا أُجريت لها أعمال صيانة، كتجديد القش وترميم القواعد الطينية.
وتمثل العُشَش أحد أبرز أنماط السكن الشعبي في اليمن، ولا سيما في المناطق الساحلية التي انتشرت فيها، كاستجابة مباشرة للعوامل المناخية واحتياجات الإنسان، كما يقول الدكتور أحمد يونس لـ"منصة اليمن".
ويضيف يونس أن العُشّة ليست مسكناً تقليدياً، بل جزء أصيل من الهوية الثقافية للمنطقة، ودليل حي على كيف استطاع الإنسان التهامي تحويل البيئة المحيطة إلى مصدر للبناء والاستقرار، مستفيداً من موارده المحلية لتشييد المساكن.

بين التراجع والتطوير
شهد النمط المعماري للعُشَش في السنوات الأخيرة العديد من المحاولات لتطويره عبر تصاميم حديثة، منها الأشكال الهرمية والدائرية والسطحية، أو استخدامها في الحدائق والمتنزهات والمطاعم والاستراحات السياحية.
ويؤكد مهتمون بالتراث أهمية تحويل العُشَش إلى وجهات سياحية، والتوسع في بنائها في المشاريع السياحية والثقافية، بوصفها جزءاً من الهوية المعمارية لتهامة، يستدعي توثيقها والتشجيع على الحفاظ عليها.
وعلى الرغم من قدرة العُشّة على التكيف مع البيئة ورسم هوية ثقافية لمناطق تهامة، إلا أن أعدادها تراجعت خلال العقود الأخيرة مع انتشار البناء الخرساني وتغير أنماط المعيشة، كما يؤكد حسن مشرعي، رئيس مؤسسة بيتنا للتراث والتنمية.
ويرى مشرعي أن كثيراً من الأسر تحولت إلى المنازل الأسمنتية باعتبارها أكثر دواماً وأقل حاجة إلى الصيانة، رغم ارتفاع تكلفتها، متناسية أن العُشَش ليست مجرد مساكن، وإنما ذاكرة حية وجذور تاريخية لأسلوب حياة أهالي تهامة منذ القدم.

