يبذل عُقّال الحارات جهودهم وأموالهم وأوقاتهم لخدمة مجتمعاتهم، ويقدمون جهودًا تطوعية كبيرة من دون مقابل، ساعين إلى جعل حاراتهم أشبه بخلايا النحل. يعملون مع من حولهم بشكل منظم ومرتب، وعلى الرغم من وجود بعض العراقيل والأخطار التي تهدد المجتمع بالتمزق والتفكك، فإن تعاونهم وتكاتفهم يجعله أكثر قوة وتماسكًا.
وفي ظل التحديات التي تواجه المجتمع الحضرمي بسبب الحرب والأزمات والوضع الاقتصادي المتدهور الذي تمر به البلاد، وانعكاس ذلك على حياة أفراد المجتمع، تزايدت المشكلات والقضايا الاجتماعية، إلى جانب المشكلات الناتجة عن الكوارث الطبيعية، كهطول الأمطار وتدفق السيول، وما يترتب عليها من أضرار، مثل قطع الطرق وتراكم الأوساخ وانتشار الأوبئة والأمراض. وقد تنشأ بسبب ذلك مشكلات ونزاعات تهدد النسيج الاجتماعي وتنذر بتفكك المجتمع إذا لم تُحل وتُعالج. ومع أهمية الجهود التي يبذلها عُقّال الحارات في إصلاح ذات البين وحل المشكلات في المجتمع، فإنها تظل غير كافية لمعالجة المشكلات من جذورها.

في هذا المقال، سنسلط الضوء على الدور المجتمعي الذي يلعبه عُقّال الحارات، وندعو أفراد المجتمع إلى الالتفاف حولهم من خلال تفعيل المشاركة المجتمعية، والتخطيط لتنفيذ مبادرات تطوعية تسهم في حل المشكلات، ورأب الصدع، وتضميد الجراح التي يعاني منها المجتمع، بما يقوي النسيج الاجتماعي، ويعزز التماسك المجتمعي، ويهيئ أرضية مشتركة للتعايش والسلام.
واليمن، بوصفه بلدًا يشهد حربًا منذ سنوات، يواجه تهديدات تطال تراثه الثقافي، وتُعد مدينة تريم إحدى المدن التي تأثرت بالحرب. وقد أدى هذا الوضع إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي ألقت بظلالها على حياة الناس، وتسببت في تهديد المجتمع بالتفكك. إلا أن التعاون والتكافل والمشاركة المجتمعية خففت من حدة تلك الأزمات، من خلال الممارسات الاجتماعية والعادات والتقاليد، التي يدعم الحفاظ عليها إطار الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية اليونسكو لعام 2003 لحماية التراث الثقافي غير المادي، إلى جانب أهداف التنمية المستدامة.
ويُعد عُقّال الحارات من الشخصيات المؤثرة، لما يقومون به من خدمات، من بينها تنظيم شؤون حياة الناس في المجتمع. ويُعيّن عاقل الحارة من خلال التكليف المباشر من السلطة المحلية في المديرية، أو عن طريق تزكيته من قِبل عُقّال الحارة وأعيانها ووجهائها، الذين يرشحون الشخص الذي يرونه مناسبًا لتولي هذه المسؤولية، بالتشاور مع السلطة المحلية، ليصدر بعد ذلك قرار التكليف.
ويجب أن يكون عاقل الحارة رجلًا كفؤًا وقادرًا على إدارة شؤون الحارة وتنظيمها، وأن يتمتع بشخصية قيادية قوية ومرنة، ويتحلى بالحنكة والأمانة والصدق بين أبناء الحارة. كما ينبغي أن تكون لديه القدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وأن يكون على دراية كافية بحدود الحارة وسكانها وتفاصيلها المختلفة، وأن يحظى باحترام أبناء المجتمع ومحبتهم وقبولهم؛ حتى يتمكن من احتواء المشكلات التي قد تنشأ بشكل سريع وفعّال، بما يسهل تدخله لحل الخلافات والمشكلات وديًا قبل تفاقمها.
ومن ناحية أخرى، هناك مهام تطوعية يمكن لعاقل الحارة ممارستها ضمن النطاق الجغرافي المحدد لحارته، منها الإسهام في إصلاح ذات البين، وحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية وغيرها، والتواصل مع الجهات الرسمية والخدمية والاجتماعية ورجال الخير لتذليل الصعوبات والعوائق التي تعترض المواطنين، إضافة إلى التصديق والتزكية على وثائق المواطنين، وتأكيد إقامتهم وانتمائهم إلى الحارة.

ويرى الأستاذ زين عمر العامري، عاقل حارة السعيد بعيديد في مدينة تريم، أن الحارة بمنزلة الأسرة الواحدة؛ فكلما كان أفرادها أكثر قربًا وتماسكًا، كان النجاح حليف ذلك المجتمع، وأصبح من السهل احتواء بعض القضايا والمشكلات ومعالجتها بطرق حضارية وراقية. لذا، يجب على أبناء الحارة أن يكونوا كالأسرة الواحدة في تعاونهم وتكاتفهم، لتسود بينهم الألفة والمحبة، ويتمكنوا معًا من مواجهة الصعوبات والمشكلات التي تهدد حارتهم.
ويتمنى الأستاذ زين العامري من جميع أبناء الحارة، خصوصًا العلماء والشخصيات الاجتماعية المرموقة ورجال الخير والإحسان في المجتمع، أن يتلمسوا أحوال الحارة وشؤونها، وأن يشاركوا في تسهيل بعض القضايا والصعوبات التي تواجهها، حتى تُحل وتُعالج بطرق سلسة تقوي الروابط الاجتماعية بين الناس، وتقلل من التوترات التي تؤدي إلى اتساع الفجوات بين المواطنين وتفكك المجتمع.
ومن خلال ذلك، يتبين أن نجاح جهود عاقل الحارة في إدارة شؤون حارته وتنظيمها يرتبط بتكاتف أبناء الحارة وتعاونهم وتفانيهم، وتلبيتهم لدعوته، والمبادرة إلى تقديم الخدمات المطلوبة منهم إذا دعت الحاجة؛ مثل مساعدة المحتاجين، وعلاج المرضى، وتنظيف الشوارع، وإزالة الأشجار الضارة، وبناء المرافق العامة، والتداعي عند حدوث الكوارث، كإطفاء الحرائق وإنقاذ الغرقى وإغاثة الملهوف، إلى جانب تجهيز الجنائز وحملها وحفر القبور، ومساعدة الغريب، وتقديم الطعام والشراب في المناسبات العامة والخاصة، كالأعياد والأفراح والأتراح وغيرها من المناسبات.
ويشمل ذلك أيضًا المشاركة في الألعاب والرقصات الشعبية والفعاليات الخاصة بالحارة، مثل الشبواني والزربادي والرزيح والخابة، وعادات الهجن والقنيص، والمنافسات الرياضية والمسابقات الثقافية وغيرها. ويسهم تميز الحارة في هذه العادات والتقاليد والألعاب في تقوية الترابط والتماسك المجتمعي.
والمتأمل في أنشطة حارات مدينة تريم سيلاحظ وجود نوع من التنافس الشريف بين أبناء الحارات؛ فكل حارة تسعى إلى أن تكون الأفضل، من خلال تفاني أبنائها في أداء واجباتهم على أكمل وجه. ويجب على عاقل الحارة أن يؤدي دورًا رئيسيًا في ذلك، وأن يترقب الفرص المناسبة ليتمكن من تحفيز أبناء المجتمع وشحذ هممهم، وتوفير ما يلزمهم لتقديم أفضل ما لديهم من أفكار ومقترحات لتطوير خدماتهم التطوعية والمجتمعية.
وبناءً على ما سبق، فإن الجهود التطوعية التي يبذلها عُقّال الحارات في إصلاح ذات البين وحل المشكلات تؤدي دورًا كبيرًا في رص الصفوف، وتسهم في تقوية الروابط والتماسك الاجتماعي، خصوصًا في أوقات الحروب والأزمات. إلا أن جهودهم وحدها لا تكفي لمعالجة بعض القضايا والمشكلات وحلها من جذورها، ما لم تتضافر جهود الجميع من عُقّال وأعيان ووجهاء وشباب، ويلتفوا حول عُقّال الحارات ويساندوهم، ويشاركوا في التخطيط وتنفيذ المبادرات التطوعية، بما يسهم في تطور المجتمع، ويعزز الشعور بالألفة والمحبة بين أبنائه، ويهيئ أرضية مشتركة للتعايش والسلام.

