تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

علي بن علي صبره.. ذكرى خالدة بعد 17 عاماً من الرحيل

"أهلاً بأحبابي وبيت ناسي.. حيّا على عيني وفوق رأسي". هذا مقطع من أغنية سمعتها في يوم عيد الفطر المبارك بصوت الفنان حمود السمهة، وهي جزء من قصيدة غنائية طويلة تتكون من عشرات الأبيات للشاعر الكبير الرحل علي بن علي صبره مطلعها الأصلي: أهلاً بـمن داس العذول وأقبل.

كان السمه يغني وجواره الفنان فؤاد الكبسي، وكذلك الفنان يحيى عنبه والفنان يوسف البدجي، إضافة إلى الفنان بدر المليجي.

غنى السمه هذه الأغنية بإحساس كبير دفعني إلى الاستماع لها أكثر من مرة في منصة يوتيوب، وكان الفنان يترنم في جلسة غنائية عيدية ضمن برنامج "ديوان فؤاد" بثته قناة "يمن شباب".

وبينما السمه يغني أحسست أنه يرحب بنا أيضاً بصدق واهتمام، ما دفعني أيضاً إلى البحث أكثر عن كلمات هذه القصيدة الفريدة وصانعها الكبير الراحل علي بن علي صبره الذي نعيش الذكرى 17 لوفاته، فقد انتقل إلى رحمة الله في الثالث من أبريل /نيسان عام 2009.


نشأة الشاعر علي صبره

ولد الشاعر الكبير عام 1938 في مديرية ماوية الريفية بمحافظة تعز، وهي منطقة مهمة برز فيها شعراء وكتاب وسياسيون على مدار العقود الماضية.

وفي سنوات طفولته المبكرة التحق صبره  في "معلامة" قريته متعلما على يد والده، ثم انتقل إلى صنعاء، وعقب ذلك غادر إلى المدرسة العلمية في جبلة وهي مدينة يمنية في محافظة إب اشتهرت منذ زمن طويل بالعلم والثقافة والتراث.

كما تلقى التعليم أيضاً في المدرسة الشمسية بمدينة ذمار، وهي مدرسة دينية تاريخية درس فيها العديد من علماء اليمن وخاصة علماء المذهب الزيدي، وكانت تعد من المعالم الإسلامية في البلاد.

بعد أن نال نصيبه من التعليم، تم تعيينه مساعداً لكاتب محكمة ثم وكيلاً لقاضي إحدى المحاكم في العاصمة صنعاء، ولم نحصل على مصادر تفيد بالفترة الزمنية التي قضاها في هذا العمل.

شكل قيام ثورة 26 سبتمبر عام 1962 شمالي اليمن نقطة تحول في حياة صبره وعديد من الشخصيات التي انضمت إليها في سبيل تحرير البلاد من الجهل والتخلف والمرض ومن خرافة "الحق الإلهي في الحكم".

وقد حظي صبره عقب الثورة بتعيينه في مكتب أمانة السر لرئيس الجمهورية عبدالله السلال ، ثم عمل بعدها مديراً عاماً في وزارة الإعلام.

وتفيد بعض المصادر أنه عقب ذلك دخل صبره السجن وتم فصله من عمله، وبعد خروجه عاد للعمل في وزارة الخارجية، ليعاد إلى السجن مرة أخرى عقب حركة الخامس من نوفمبر 1967 التي تسلم على إثرها عبدالرحمن الإرياني رئاسة البلاد بدلا عن الرئيس عبدالله السلال.
ولم تحدد المصادر أسباب سجنه، لكن يرجح أن يكون ذلك بسبب آراء سياسية معارضة للسلطات.

وتالياً تم تعيين صبره رئيساً لإذاعة صنعاء أهم وأكبر إذاعات اليمن آنذاك ، ثم وكيلاً لوزارة الاعلام، كما عمل في زمن لاحق مستشاراً إعلامياً في سفارة الجمهورية اليمنية في الأردن ومشرفاً على المركز الإعلامي اليمني هناك.

بداياته الشعرية

لا يوجد تاريخ دقيق حول تاريخ أول قصيدة للشاعر، لكن صديقه أمين درهم أفاد في مقال نشره البيت اليمني للموسيقى والفنون بأن موهبة الشعر تفتقت لدى صبره في مدينة تعز عام 1958، ما يعني أنه كان حينها في عمره العشرين.

وقد أبدع صبره في كتابة عشرات القصائد الغنائية التي تغنى بها مطربون كثر، ولعل أبرزهم  الفنان الكبير علي بن علي الآنسي (ت عام 1981) حيث شكل معه ثنائيا فنياً رائعاً جمع بين جمال الكلمة الشعرية وحسن الغناء واللحن.
عاصر صبره صديقه الأكبر منه بخمس سنوات في كل مراحل حياته سواء في العاصمة صنعاء، أو في مدينة تعز التي عاش فيها الآنسي فترة طويلة.

وكان لصبره دور في تجديد اللون الغنائي الصنعاني وتعزيز مسار الشعر الغنائي الجذاب في البلاد، ما جعله أحد أبرز الشعراء الغنائيين اليمنيين.

أبرزه قصائده العاطفية

استطاع صبره نسج قصائد بديعة جمعت بين العاطفية والوطنية والاجتماعية، وحملت الكثير من الدلالات التي تشع جاذبية وتأثيرا.
ومن أبرز الأغاني الجذابة والأكثر جرأة التي كتب كلماتها الشاعر  صبره:
أهلا بمن داس العذول واقبل
وطلعته مثل الهلال واجمل
ومن تعدَّاه في الطريق يُقتل
بلحظة القتال شَلّه الله
أهلا بمن في مشيته ترتّاح
كم في طريقه داس نفوس وأرواح
وفي يمينه للقلوب مفتاح
دولة على أهل الحب أدامها الله
أهلا بأحبابي وبيت ناسي
حيا على عيني وفوق رأسي
أهلا بكم يا نشوتي وكاسي
ومن لحبه قد خلقني الله

وهناك بعض الأغاني الأخرى البارزة، منها: (هذا إليك يا حبيب والقلب يتفطر) وهي أغنية سمعتها مرارا بصوت الفنان الكبير أحمد السنيدار، كما غناها لاحقا الفنان حمود السمه.

كذلك من الأغاني اللافتة (قد علموه وأنا بحبه أعمى) ، وقد غناها الفنان الكبير الراحل علي الآنسي وكذلك فؤاد الكبسي، كما غناها بعض الفنانين الشباب منهم حسين محب وفاطمة مثنى.

وثمة قصيدة جذابة لفتت انتباه العديد من الفنانين وهي تحت عنوان (آنست يا حالي، يا روحي الغالي) ، وقد غناها مطربون أبرزهم علي بن علي الآنسي وأيوب طارش وفؤاد الكبسي وحسين محب وحمود السمه.

ولا ننسى هنا ذكر أغنية (يا ويح قلبي من عيونك السود) التي تتغنى بالحبيب الجميل صاحب العيون الجذابة، وهي من الأغاني التي اهتم بغنائها فنانون كبار بينهم علي الآنسي ومحمد حمود الحارثي وعلي السمه وفؤاد الكبسي وأحمد الحبيشي.

وفي قصائد صبره كان هناك معايشة لافتة للطبيعة ومزجها مع من هم سبب في كسب المحبوب، واتخاذ وسائل متعددة في سبيل نيل رضاه، وإن استلزم الأمر حتى مناداة الرياح التي تدخل بيوت العاشقين.

وتعد أغنية (يا ريح يا ريح يللي تدخلي للبيوت) من بين هذه الأغاني التي خط كلماتها هذا الشاعر البديع، وقد غناها عدة فنانين بينهم أيوب طارش وأبوبكر سالم وأحمد السنيدار وطلال مداح وحمود السمة.

قصائد وطنية بارزة

خلال مشواره الأدبي المستمر لعقود، حرص الشاعر صبره على كتابة قصائد غنائية وطنية بارزة مازالت حية في وجدان اليمنيين، ويزداد حضورها أكثر في المناسبات الوطنية.

ومن بين هذه القصائد (انثري الشهب حولنا يا سماء) وقد غناها ولحنها الفنان الكبير أيوب طارش، ورددها العديد من اليمنيين الذين باتوا يحفظون بعضا من أبياتها، وربما كثير منهم لا يعلمون أنها من كلمات صبره الذي يقول فيها :
انثري الشهب حولنا ياسمـاء

واسكبي الضوء والندى ياذُكـاء

عاد أيلول كالصبـاح جديـدًا

سحقت في طريقـه الظلمـاء

يبعث الروح في الوجود ويسري

في دمانا كمـا يـدب الشفـاء

ينشر الحُب والسـلام ويبنـي

نعم بـانٍ لنـا ونعـم البنـاء

وفي هذه القصيدة يتغنى الشاعر بثورة سبتمبر ضد الحكم الإمامي، إذ يشبه أيلول بالصباح الجديد الذي انتظره اليمنيون بعد ليل مزعج وظلام طويل.

وكذلك قصيدة(اشهدي أيتها الدنيا اشهدي) التي سمعتها بصوت الفنان أحمد السنيدار، وجاء في مطلعها:

اشهدي أيتها الدنيا اشهدي

فجر ميلادي وقومي واقعدي

ها أنا في اليوم حامي الموردِ

أنشد الموت ليحيا ولدي

وكذلك قصيدة (سبتمبر يا سبتمبر، يامجد التاريخ الأخضر)، إضافة إلى القصيدة الحماسية:

أيها التاريخ سجل
موكب النصر المبين
واحكـِ للأجيال إنا
قد سحقنا المعتدين
شعبنا شعب أبي
نحن حطمنا القيود
نحن طهرنا الحدود
أبداً لا لن نعود
قسماً لن نستكين


إنتاج أدبي لافت

خلال مسيرته أنتج صبره عديدا من الأعمال الأدبية والفكرية، وأصدر مجلة أسماها الصباح، ونشر عبرها كتيبات له منها (ثورة اليمن وجذورها التاريخية)، و(نحو إيديولوجية عربية موحدة) ، وكذلك (الدم وأغصان الزيتون) و(القضية  العربية والصهيوينة العالمية) إضافة إلى كتاب (اليمن.. الوطن الأم).

كما صدرت له مجموعتان شعريتان بعنوان "قصائد حب وحرب"، ومن دواوينه الشعرية:  النغم البكر الصادر عام 1972. والأعمال الشعرية الكاملة (في جزأين) عام 1993. بالإضافة إلى ثلاث ملاحم شعبية :اليمن الثائر- عام 196، والدم وأغصان الزيتون- عام 1969، والقلم والمدفع- عام 1974.

وقد حصل الشاعر الراحل على وسام الجمهورية العربية المتحدة من الرئيس جمال عبدالناصر، إضافة إلى وسام المؤرخ العربي من الجمعية العامة للمؤرخين العرب في بغداد.
وفي اليمن منحه الرئيس علي عبدالله صالح  وسام العلوم من الدرجة الأولى، علاوة على تكريمه من قبل وزارة الثقافة بدرعها.

وفاة صبره

في الثالث من أبريل عام 2009 توفي الشاعر والمؤرخ علي بن علي صبره، عن 71 عاما، بعد حياة حافلة بالإنجاز الأدبي والسياسي والنضالي.

وعقب وفاته وصفته رئاسة الجمهورية حينها في بيان نعي" بالشاعر الكبير والأديب المتميز والمؤرخ والمفكر والمناضل السبتمبري الجسور".