لو كان ما زال حياً، لكان اليوم قد تجاوز التسعين عاماً، لكنه رحل مقتولاً في صنعاء قبل أكثر من 42 عاماً، في حادثة مأساوية هزت قلوب محبيه والوسط الفني اليمني.
هذا هو الفنان الكبير علي عبدالله السمه، الرجل الذي لم يكن مطرباً فحسب، بل كان عسكرياً وإعلامياً وشاعراً وملحناً. استطاع أن يجمع بين أكثر من اهتمام، فهو صاحب درجة الماجستير في العلوم العسكرية الذي غلب عليه حب الطرب والفن، في واقع مليء بالتعقيدات الاجتماعية التي لم تمنعه من الانخراط في الغناء والإعلام والعمل الوطني.
اختلفت المصادر حول تاريخ ميلاده؛ فثمة من قال إنه ولد عام 1936، كما ذكر نجله الفنان حمود السمه، بينما تشير روايات أخرى إلى أنه ولد قبل ذلك بعام، أي في 1935. غير أن هذا الجدل لا يبدو مهماً بقدر أهمية الأثر الفني الذي تركه، خصوصاً أنه ينتمي إلى الجيل الذي شهد بروز أسماء كبيرة في الغناء والشعر اليمني.
ولد علي السمه وتربى في صنعاء القديمة، وكان منذ طفولته مولعاً بالغناء والموسيقى، رغم أن المجتمع آنذاك كان ينظر إلى الفن بكثير من التحفظ، بل ويعاقب أحياناً من يحمل العود أو يغني علناً.

لهذا اضطر السمه إلى الغناء سراً مع صديقه الفنان علي بن علي الآنسي، الذي أصبح لاحقاً أحد أهم رفاق رحلته الفنية. وكان الغناء يتم بعيداً عن الأنظار، في جلسات مغلقة مع أصدقاء مقربين، أو داخل غرف سفلية في المنازل تُعرف بالمخازن، وكأن الفن كان يبحث عن مكان يختبئ فيه من قسوة المجتمع.
ويروي مقربون من العائلة حكاية شهيرة تعكس طبيعة تلك المرحلة. ففي منتصف القرن الماضي، سمع مراد السمه، جد علي، صوت غناء خافتاً يخرج من الطابق السفلي للمنزل، فظن أن لصاً اقتحم البيت. لكن عندما نزل ليستكشف الأمر، وجد حفيده علي السمه وبجانبه علي الآنسي، وبينهما "جالون" زيت فارغ شدّا عليه أوتاراً ليستخدماه آلة موسيقية بدائية.
حينها غضب الجد وأخذ "الجالون الفني" وكسره، لكن تلك اللحظة لم توقف الطفلين اللذين أصبحا لاحقاً من أبرز نجوم الغناء اليمني.
بدأ السمه مشواره الفني مبكراً عام 1948، وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، متأثراً بالفنان صالح العنتري، أحد أبرز رموز الغناء اليمني القديم.
لكن الطريق لم يكن سهلاً، فقد كان والده رافضاً تماماً أن يكون له ابن يعمل في الغناء، ووصل الأمر أحياناً إلى معاقبته في محاولة لإبعاده عن هذا المجال.
وفي الخمسينيات التحق السمه بالسلك العسكري، وعمل في "سلاح المهندسين"، في مفارقة لافتة بين الانضباط العسكري وشغفه الفني. وربما كان التحاقه بالعسكر محاولة لإرضاء العائلة التي كانت ترى في العمل العسكري مكانةً واستقراراً أكبر من الغناء.
وإلى جانب عمله العسكري، كان يساعد والده في نقل البضائع على متن شاحنة بين صنعاء والحديدة وتعز، غير أن شغفه بالموسيقى ظل أقوى من كل شيء.
وخلال إحدى رحلاته إلى تعز، باع جزءاً من حمولة الشاحنة واشترى آلة عود، غير أن أمره انكشف، ما دفع والده إلى ملاحقته لمعاقبته، لينتهي الأمر بهارباً إلى عدن.
كانت عدن آنذاك أكثر انفتاحاً على الفن، وهناك درس السمه في المعهد الموسيقي لمدة عام، وهي تجربة أسهمت في صقل موهبته وتطوير أدائه الفني.
وفي وقت لاحق، انتقل إلى إثيوبيا ثم إلى السعودية بحثاً عن العمل وتحسين ظروفه المعيشية، شأنه شأن كثير من اليمنيين الذين دفعتهم الحياة إلى الاغتراب. لكن رحلاته لم تكن بعيدة عن الفن، إذ حرص خلال وجوده في السعودية على تطوير موهبته، وكان قريباً من الفنان السعودي طلال مداح الذي شجعه وسانده في مسيرته الفنية.
وبعد ثورة 26 سبتمبر، بدأت الأغنية اليمنية تشهد تحولات جديدة، وفي عام 1964 شارك السمه مع مجموعة من الفنانين والمثقفين في تأسيس فرقة موسيقية كان لها دور مهم في تطوير الأغنية اليمنية الحديثة.
وضمت الفرقة أسماء فنية وثقافية بارزة، وكان السمه من أكثر أعضائها نشاطاً والتزاماً، بحسب روايات مقربين منه.
وفي عام 1973 عاد السمه من السعودية إلى اليمن، قبل أن يحصل على منحة دراسية إلى الاتحاد السوفيتي لدراسة العلوم العسكرية.
وفي عام 1976 عاد إلى اليمن حاملاً درجة الماجستير، في وقت كان الحصول على هذه الدرجة العلمية أمراً نادراً، خصوصاً لفنان جمع بين الدراسة العسكرية والعمل الفني.
قدم السمه عشرات الأغاني العاطفية والوطنية التي ما تزال حاضرة في الذاكرة اليمنية، من أبرزها: "امش دلا"، و"يا ريم وادي بنا"، و"تودعته وعيني تسكب الدمعة"، و"مسافرين بالله عندي كلام"، و"يا كحيل العيون"، إضافة إلى أغنيات وطنية مثل "فوق الجبل" من كلمات الشاعر مطهر الإرياني، و"يا حبيبة يا يمن".
ولم يكن السمه مجرد مطرب يؤدي كلمات الآخرين، بل كتب بنفسه عدداً من الأغاني التي لحنها وغناها، بعدما شعر أن بعض النصوص لا تعبّر تماماً عن إحساسه الفني.

كما انخرط في العمل الإعلامي، إذ تشير روايات نجله حمود إلى أنه عمل في إذاعة تعز، وكان يتابع نشرات الأخبار فجراً من إذاعة "صوت العرب"، ثم يعيد إعدادها للإذاعة المحلية.
وإلى جانب الفن والإعلام، كان السمه من المؤيدين للنظام الجمهوري، وشارك في حصار السبعين يوماً دفاعاً عن صنعاء، جامعاً بين البندقية والأغنية الوطنية.
عاش الفنان علي عبدالله السمه نحو 48 عاماً، قضى جزءاً كبيراً منها في مدينة تعز التي أحبها وتزوج فيها وأنجب أبناءه، بينهم الفنان حمود السمه.
وفي 21 مارس 1984، انتهت حياته بشكل مأساوي بعدما قُتل في صنعاء في حادثة لا تزال تثير كثيراً من الأسئلة حول ملابساتها ودوافعها، ليرحل واحداً من أبرز الأصوات التي أسهمت في تشكيل ملامح الأغنية اليمنية الحديثة.


