على ساحل أبين، ومع انكسار ضوء القمر على صفحة البحر، يقفُ الرجال والنساء في صفوف متقابلة، أكتافهم متلاصقة، تتعالى أصواتهم بأهازيج الدان والدحيف، وتتداخل الخطوات بإيقاع منسجم، وكأنّهم يُعلنون بصوت واحد: نحن معًا رغم كل شيء. ترتفع الأكفّ، تهتزّ الأجساد على نغمة متوارثة كأنّهم يجدّفون القوارب، ويتحوّل المكان إلى لوحة من الانسجام الجمعي الذي لا يحتاج إلى شرح. في لوحة فنّية تُمثّل هوية شُقرية بحرية خالصة، تعكس حياة الصيّاد وكفاحه، وتُبرز دور المرأة في دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية، والشعر المصاحب للدحيف يرسم موقف الجماعة من الوجود، ويُعبّر عن رؤيتها للحياة ضمن ثنائية الخير والشر، مما يمنحه بعدًا فلسفيًا وهوياتيًا، وإنّ الغناء والرقص والشعر في الدحيف تعبير عن مستوى حضاريّ وثقافيّ بلُغة هذه الجماعة في بيئتها الجغرافية الخاصة.

لكن خلف هذا المشهد المضيء، تعيش محافظة أبين منذ عام 2020م تحدّيات اجتماعية معقدة؛ إذ تصاعدت خطابات الانقسام، وضعف التماسك الاجتماعي، وهنا زادت الحاجة إلى أدوات ناعمة تُعيد بناء الثقة بين الناس بعيدًا عن الاستقطابات الحادّة. في ظلّ هذه التحوّلات، يَطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يمكن للتراث الشعبي أن يكون أداة حقيقية لمواجهة الانقسام؟
أسهمت الحروب والصراعات في محافظة أبين في إضعاف التماسُك الاجتماعي وتعميق التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، كما ساعدت على انتشار خطاب الكراهية بين مكونات المجتمع. وفي هذا السياق، تُشير الناشطة المجتمعية أ. نور قائد إلى أن "ضعف التماسك الاجتماعي يعود إلى الحروب والنزاعات، وضعف الوازع الديني، واختلاف السياسات، وضعف الاقتصاد والبنية التحتية وانعدام الخدمات الأساسية"، مؤكّدة في الوقت نفسه أن الثقافة، ولا سيما ثقافة الحوار والمساواة، يمكن أن تؤدّي دورًا محوريًا في تعزيز السلام والاستقرار، وأنّ المساحات الآمنة تساعد على تهدئة التوتّر وبناء التعاون بين الأطراف.
وفي السياق نفسه، تُشير الناشطة المجتمعية أ. أنجي النوبي إلى تعدّد العوامل التي تُسهم في إضعاف التماسك الاجتماعي، وما يقابله من مبادرات مجتمعية تسعى إلى معالجتها. وتوضّح أن "أسباب ضعف التماسك الاجتماعي تتعدّد بين الفقر والبطالة والحروب، وتراجع دور الأسرة ومنظّمات المجتمع المدني والإعلام، إضافة إلى انتشار الأُمّية وتأثير وسائل التواصل من دون وعي كافٍ". وفي المقابل، ترى أنّ المساحات الآمنة تمثّل إحدى الآليات المهمة لمعالجة هذه التحديات، ببرامج التوعية والتأهيل وتمكين النساء، وتوفير الدعم الصحي والقانوني والمالي للناجيات من العنف.
يمكن إذن للفعاليات التراثية والفنون أن تتحوّل إلى منصات للحوار تجمع الناس حول هويتهم المشتركة؛ إذ يعمل الفنّ جسرًا يربط القلوب قبل الكلمات، ويعزّز الانتماء، ويفتح باب التفاهم بين الأجيال. ودعم هذه المبادرات ثقافيًا وإعلاميًا يُسهم في ترسيخ قيم العدالة والسلام ونبذ خطاب الكراهية، ويُعيد بناء الثقة بين أفراد المجتمع. وتُبرز هذه الرؤية أهمية الثقافة أساسًا لحلّ النزاعات وبناء السلام، خصوصًا في المجتمعات المتأثّرة بالحرب، مثل المجتمع الأبيني، حيث تؤدّي دورًا جوهريًا في تعزيز وعي المجتمع وتماسكه الاجتماعي.

الدحيف… أكثر من رقصة
يمثل الدحيف طقسًا من أهم الطقوس الاجتماعية المتجذرة في الذاكرة الجمعية؛ إذ يُؤدّى في الأعراس والمناسبات الوطنية والاستقبالات القبلية في مناطق مثل شُقرة وزنجبار والكود والطرية، ويجمع الناس بمختلف انتماءاتهم السياسية والقبلية؛ ليجسّدوا روح الفرح والانتماء والتقارب السلمي. ويقول الباحث والأكاديمي ورئيس جمعية شقرة للثقافة د. سعيد بايونس: "الدحيف هو الهوية الشقرية والمكوّن الروحي الذي يصبغ الجماعة البشرية، ويُعدّ قوة ناعمة مؤثّرة، تُسهم في ضبط السلوك الجمعي وتوجيهه نحو قيم التآلف والتعاون". ويَظهر ذلك عمليًا في اصطفاف المشاركين في صفوف مستقيمة، يتحرّكون بخطوات متناسقة ويردّدون أهازيج جماعية تحمل معاني الفخر والشهامة، فالصوت الواحد والاصطفاف الجماعي ليسا شكليين، بل يرمزان إلى وحدة الصف والمشاركة، حيث لا يتقدم فرد على آخر، بل يتقدم الجميع معًا.
ويضيف الأكاديمي بايونس أنّ جذور الدحيف التاريخية تكشف عن أصله الفنّي الذي ينبع من المجتمع نفسه، حيث تُشير بعض الروايات إلى ارتباطه بطقوس جماعية قديمة على شاطئ البحر، كانت تؤدّى في سياقات ذات بعد روحي يتعلّق بطلب الرزق والعطاء. ومع تطوّر المجتمع، تحوّلت موضوعات الدحيف من الطقوس الدينية إلى التعبير عن قضايا الحياة اليومية، حاملًا مضامين الحبّ والإصلاح الاجتماعي وتعزيز القيم الأخلاقية، بل لامس الشأن السياسي أحيانًا. ويبرز هذا الامتداد التاريخي والتعلّق الوجداني بالفنّ قدرته على توجيه المجتمع نحو التماسك والمحبة والتعاون، مما يجعله أداة ثقافية حيوية لإعادة تأكيد القيم الجماعية وربط الأجيال بعضها ببعض عبر موروثهم الشعبي.
بعد استعراض جذور الدحيف وأبعاده التاريخية والاجتماعية، يتّضح أن هذا الطقس الشعبي لا يقتصر على كونه فعالية احتفالية وحسب، بل يمثّل إطارًا عمليًا لترسيخ قيم الانتماء والتعاون والتماسك الاجتماعي. ويختتم الأكاديمي بايونس بالقول: "الاصطفاف في الدحيف يمثل حالة من الانضباط المجتمعي والأخلاقي، فهو يُشير إلى تماسك البنية الاجتماعية وانضباطها في قانون حياتي صارم يمنع الفوضى وفقدان التوازن، ويؤكّد تلاحم كل فئات المجتمع ضمن هذه الفعالية". وببساطة هذا الترتيب الرمزي، يختصر فلسفة هذا التراث وعلاقته بالتماسك الاجتماعي وبناء السلام، فالشجاعة ليست فقط في المواجهة، بل في الوقوف صفًا واحدًا، والكرم لا يقتصر على الضيافة، بل يمتدّ إلى تقاسم الفرح والحضور.

حين يجمع الإيقاع ما فرّقته السياسة والخلافات الشخصية والطبقية
في أوقات التوتر والانقسام التي يعيشها المجتمع الأبيني، يشكل الدحيف مساحة مشتركة نادرة، حيث يتساوى الجميع على الصفوف ويُصبح الانتماء السياسي أو القبلي غير ذي صلة، ويكفي معرفة الإيقاع وترديد الكلمات. في هذا السياق، يتحوّل الاصطفاف في الدحيف إلى رمز للوحدة، ليس التفافا ضدّ طرف، بل الالتفاف حول قيمة مشتركة، وهي الألفة، كما يظهر على شاطئ البحر وساحة المدارة، حيث لا توجد حواجز أو جدران، فيصبح المكان نفسه رسالة مفتوحة تُفيد أن هذه المساحة تتّسع للجميع. ويؤكّد الأكاديمي بايونس أنّ الدحيف يمثّل "وسيلة بناء للجمال وبناء للسلام دون إراقة نُقطة دم واحدة بسبب تأثيرها على القلب والعقل ومخاطبته لتعديل أفكاره وسلوكه"، مضيفًا أنّ "شعر الدحيف أبطل محاولات أرادت للمجتمع أن يستباح ومحاولات لتدميره، لكنه وقف لها بالمرصاد بوصفه وسيلة توعوية لنهضة المجتمع".
وهنا تظهر قوّة الثقافة، فهي لا تتحدّث عن خطاب الكراهية بشكل مباشر، بل تُضعف تأثيره عندما تُقدّم بدائل أجمل وأكثر إنسانية، ويمكن تحويل الدحيف من حدث احتفالي وحسب إلى منصّة حوار مجتمعي. تخيّلوا أن تُقام فعالية ثقافية يُدعى إليها مختلف أطياف المجتمع، يقفون في صفّ واحد، يتشاركون الإيقاع نفسه، ثم يفتحون مساحة للنقاش حول قضاياهم المشتركة من المساجلات الحيّة. هنا يصبح هذا التراث وسيلة مناصرة سلمية تُعيد تعريف العلاقة بين الناس.
وللشباب دور فعّال في إحياء هذا التراث بروح معاصرة، عبر تنظيم مهرجانات شعبية حيّة وافتراضية تُنشر على تواصل الاجتماعي، وتوثيق الأهازيج، وربطها برسائل توعوية حول السلام والتعايش. فالاصطفاف الذي قد يُفهم أحيانًا سياسيًا، يمكن إعادة تعريفه كاصطفاف للقِيَم، وهي قِيم الاحترام والحب والتكاتف والانتماء للمكان.
الناس تستعيد توازن قلوبهم
يتحقّق إذن التماسك الاجتماعي في أبين بالأنشطة المشتركة التي يمارسها الناس معًا، حيث يقف المشاركون في صفّ واحد، يردّدون الأغاني نفسها، ويضربون الأرض بالإيقاع نفسه، ليعيدوا بذلك بناء الروابط بينهم. ويقول شاعر الدان منصور كندي أبو ناصر: "الدحيف في أبين مساحة اجتماعية تجمع نساءً ورجالًا مختلفين سياسيًا، وحتى مَن كانت بينهم خلافات، على إيقاع واحد وكلمة واحدة. المساجلات الشعرية بين: منصور كندي وأحمد إبراهيم بوغزل وعدنان جعم تُظهر كيف يمكن للفنّ التراثي أن يعبّر عن الحب والعِتاب والانتماء، ويقوّي الروابط بين الناس". ويختم الشاعر الشاب منصور كندي قائلًا:
عــهود الهوى والحبّ ما صنـتها وأسرارنا بحتها كلن بها صار داري
أما عدنان جعم فيقول:
خُنتني خُنت حبّي والثقة خنتها خليتني نوح طول الليل والدمع جاري
وتوضح هذه المساجلات أن الدحيف منصة للتقارب الاجتماعي، تُعيد للمجتمع روح الجماعة والانتماء، وتصبح أداة فعّالة لبناء السلام وتعزيز التماسك بين الأجيال والفئات المختلفة.
من أجل تحويل هذا الموروث إلى عادة دائمة تعزّز التماسك الاجتماعي وبناء السلام في أبين، يصبح دعم الفعاليات الثقافية التي تحتفي بالفنون الشعبية مثل الدحيف ضرورة؛ إذ تخلق هذه الفعاليات مساحات آمنة للحوار والتفاهم بين أفراد المجتمع. وينبغي تشجيع الشباب على إحياء التراث بروح معاصرة، بتنظيم مهرجانات وورش عمل تُعزّز القيم الإنسانية، مع تعزيز مشاركة النساء؛ إذ تعكس مساهمتهن قوة المجتمع وتنوّعه. كما يمكن لوسائل الإعلام أن تؤدّي دورًا محوريًا في نشر الوعي بأهمية التراث في بناء السلام والاستقرار.
في ختام القول، رقصة الدحيف تعبير حيّ عن الثقافة والهوية في محافظة أبين، ورسالة واضحة بأنّ ما يجمع الناس عندما يقفون معًا أقوى من أيّ خلاف. هذا التعبير الثقافي يُعيد الأُلفة بين الناس، يقوّي الروابط الاجتماعية، ويزرع بذور التماسك والانتماء، كما يُبرز أنّ الحلّ لنبذ خطابات الكراهية يكمن في العودة إلى المساحات الآمنة التي صنعها الأجداد، حيث ينحسر الإقصاء ويصبح الاستثمار في هذه المنابر الثقافية استثمارًا حقيقيًا في السلام الدائم، ليظلّ الدحيف الحصن الذي يُعيد التوازن إلى القلوب ويجعل التماسك الاجتماعي وبناء السلام ممارسة حيّة يوميًا على إيقاع واحد: إيقاع التعايش.

