بين أزقة عدن التاريخية، وحيث تلتقي أمواج البحر بحكايات المدينة العريقة، تنبعث ألحان فريدة تكسر صمت الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، لتعلن عن ولادة أول فرقة موسيقية نسائية حملت اسم "نغمات عدنية".
بدأت الحكاية بإعلان عام لاستقطاب المواهب النسائية الشابة في عدن، في إطار النسخة الثانية من مشروع "الفن مهنتي"، وجرى اختيار العازفات بناءً على الشغف والموهبة والالتزام، دون اشتراط خبرة مسبقة.
وبحسب رئيس الفرقة وهيب داؤود، خضعت الفتيات لبرنامج تدريبي مكثف امتد لـ30 حصة دراسية، على مدى ثلاثة أشهر، شملت السولفيج، وتدريبات الأوتار، والتنسيق الجماعي.
يقول داؤود لـ"منصة اليمن": "تأسست الفرقة مطلع عام 2026، كأول ثمرة مستدامة لبرنامج التدريب الموسيقي للمشروع، وضمت في صفوفها 15 عازفة، بينهن عدد محدود من خريجات النسخة الأولى في عام 2023."
.png)
صانعات الأمل والموسيقى
الآلات الشرقية، كالعود والقانون والكمان، لا تقبل الحلول الوسطى، فهي تتطلب دقة متناهية وإحساسًا عاليًا، خاصة في العزف الحي، مما يمثل تحديًا كبيرًا أمام العازفات اللاتي يرغبن في تعلمها وإتقانها.
وفي قلب هذه التجربة الفريدة، تمسك العازفة صفية إبراهيم بآلة القانون، مدفوعة بشغف وعشق استثنائيين، فتظهر ملامحها رابطًا روحيًا وإحساسًا عميقًا يهون عليها صعوبة تعلمها.
وترى صفية أن التحاقها بالفرقة شكل محطة فارقة في حياتها، واكتشفت من خلالها موهبتها في العزف، حتى أصبحت آلة القانون بمثابة نصفها الآخر.
تقول العازفة صفية إبراهيم: "دراسة النوتة الموسيقية وتطويع الآلة كانا بمثابة تحدٍّ يومي، لا سيما أن العزف المنفرد يختلف عن الانسجام الجماعي، لذلك كان علينا ضبط الإيقاع الداخلي لكل عازفة، لتذوب الفروق الفردية ونصبح جسدًا واحدًا يصدر نغمًا واحدًا."
وتضيف أن التدريبات المكثفة، والتركيز على الـ(Tuning)، والتوافق الإيقاعي بين القانون والعود والكمان، تخلق حالة من الانسجام تجعل الجمهور يشعر وكأن روحًا واحدة تعزف، وهو ما يتطلب مئات الساعات من الصبر والتمرين الشاق والتناغم اللحظي أثناء العرض الحي.
وبسعادة كبيرة، تعبر عازفة العود منى جمال حاجب عن شعورها بالفخر، لكونها جزءًا من الفرقة النسائية الأولى.
تقول حاجب: "بدأنا التدريب من الصفر حتى تمكنا من الوقوف على المسرح، وهدم حاجز الخوف المجتمعي. ومن يحب مجاله سينحت في الصخر ليصل إلى هدفه، إلا أن حلمنا الأكبر هو إعادة الروح إلى مسارح عدن، والوقوف على الخشبة التي وقف عليها عمالقة الفن."
.png)
ماذا يعني أن تكنّ "الأولى"؟
تأسيس فرقة "نغمات عدنية" كان بمثابة خطوة شجاعة في مجتمع تحكمه الكثير من العادات والتقاليد، وتلقي فيه الحروب بظلالها على المشهد الثقافي، فحمل المشروع في طياته الكثير من التحدي والشغف والإصرار على إحياء التراث ومواجهة الحرب بالفن.
ولهذا تشعر العازفات بالفخر والمسؤولية، كونهن يمثلن أول فرقة نسائية في تاريخ اليمن المعاصر، تفتح الباب لجيل كامل من الفتيات ليؤمن بأن الفن ليس حكرًا على الرجال، وأن المرأة اليمنية قادرة على القيادة والإبداع حتى في أصعب الظروف.
ولا تنظر الفتيات إلى أنفسهن مجرد عازفات، بل حارسات لإرث ثقافي عريق، وتقع عليهن مسؤولية إعادة إحياء الأغاني العدنية واللحجية والصنعانية القديمة بروح معاصرة، وبلمسة نسائية تضفي الدفء والقوة في آن واحد.
وترى الفتيات أن حماية الإرث الفني لا تعني تجميده، بل تطويره وتقديمه للعالم بقالب حديث يليق بتاريخ عدن الثقافي، حاضنة الفن ومنطلق الأغنية والمسرح في الجزيرة العربية.
.png)
تحديات الاستدامة
يمثل ميلاد الفرقة، واقتحام النساء مجال العزف وتشكيل الفرق الموسيقية، حالة إيجابية بارزة، وظاهرة احترافية تفرض حضور المرأة في الفضاء العام، وتكسر احتكار الرجال، بحسب الناقد الفني جمال حسن.
ويؤكد حسن أنه، على الرغم من أهمية تشجيع النساء على اقتحام المجالات الفنية، ووجود فرق نسائية تمنح نكهة وأسلوبًا مختلفين، فإن التقييم يكون بناءً على الجودة والتكنيك والأسلوب الفني الخالص، وليس على نوعية الجنس والقوالب الجندرية.
يقول حسن لـ"منصة اليمن": "الفن ليس معزولًا، بل هو ظاهرة متشابكة مع البنية التحتية، والثقافة المجتمعية، والإقبال العام، وصولًا إلى القيم الاقتصادية والسياسية، والمحك الحقيقي للحكم على الفرقة يكون في قدرتها على الاستمرارية، وتجاوزها الطابع المناسباتي المؤقت، علاوة على القدرة على الإلهام والاستمرار والتأثير في الفضاء العام."
ويضيف أن "تحويل النشاط الفني إلى نشاط احترافي واقتصادي مدرّ للدخل هو الضامن الوحيد لاستدامته وتمدده، ويهيئ لظهور فرق نسائية أخرى، وتحويل هذه التجارب الموسيقية من مبادرات فردية إلى ظاهرة مستدامة وقادرة على البقاء."
.png)
أحلام تتجاوز الواقع
في البداية، لم يكن الطريق مفروشًا بالورود أمام الالتحاق بالفرقة الموسيقية، ولاقت عددًا من الفتيات معارضة عائلية، إلا أن تلك المعارضات لم تكن رافضة للفن بحد ذاته، بل نابعة من الخوف من نظرة المجتمع أو الظروف الأمنية لكنها، بحسب ما تؤكد الفتيات، تلاشت مع أول عرض حي، ورؤية الإصرار والالتزام والتقدير الذي حظيت به الفرقة، وتحول ذلك التحفظ إلى دعم وفخر أسري كبير أصبح اليوم هو السند الأول لهن.
ويؤكد داؤود أن الفرقة تخطت العديد من التحديات، وأصبحت جاهزة للظهور، وتتلقى عددًا من العروض لإحياء حفلات ومشاركات عامة، ما تزال قيد الدراسة حتى يكتمل التدريب التنظيمي للعازفات، لأن الإدارة ما تزال، حاليًا، تركز بشكل كامل على ترتيب الوضع الداخلي للفرقة والفتيات وتثبيته.
ولا يقف طموح الفتيات عند هذه التجربة، وتحلم كل عازفة ومغنية في الفرقة بأن تأخذ "نغمات عدنية"، بإيقاعاتها الفريدة وشجنها الخاص، إلى كبرى المسارح العربية والعالمية.
وتأمل الفتيات الوقوف يومًا على مسرح دار الأوبرا المصرية، ومسارح عالمية مثل قاعة ألبرت الملكية في لندن، أو مسرح أولمبيا في باريس، وإيصال رسالة إلى العالم مفادها أنه، من قلب المعاناة في اليمن، هناك فن وحياة ونساء يعزفن.

