تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

عبدالرحمن الغابري: المخرج الذي حبس "السينما" في إطار واحد

في أعمال المصور والمخرج اليمني عبد الرحمن الغابري تبدو الصورة الفوتوغرافية أقرب إلى مشهد مقتطع من فيلم طويل. لقطة واحدة، لكنها مشبعة بالحركة والذاكرة والتفاصيل الإنسانية.

بالنسبة له، كانت الكاميرا دوماً وسيلة لرواية الحكايات. حكايات الناس والوجوه والأمكنة التي وثّقها خلال أكثر من خمسة عقود.

ولد الغابري عام 1956، وتشكل وعيه الفني بين الموسيقى والتمثيل والإخراج السينمائي. حمل كاميرته للمرة الأولى مطلع السبعينيات، ومنذ ذلك الوقت بدأ رحلة طويلة في أنحاء اليمن، موثقاً قرى ومدناً ووجوهاً سبقت عدسته إليها الزمن أحياناً.

درس الإعلام والإخراج السينمائي في لبنان، لكن اهتمامه بالصورة الثابتة ظل حاضراً بقوة. ومع السنوات، أصبح واحداً من أبرز الأسماء المرتبطة بالذاكرة البصرية اليمنية، بعدما أقام أكثر من 85 معرضاً داخل اليمن وخارجها، وكرّس جانباً كبيراً من مسيرته للدفاع عن حقوق الفنانين والملكية الفكرية.

منذ السبعينيات، يجوب عبد الرحمن الغابري جبال اليمن ومدنها وقراها موثقاً أماكن ووجوهاً لم تصلها عدسة قبله

من السينما إلى الفوتوغراف

حين يتحدث الغابري عن العلاقة بين السينما والتصوير الفوتوغرافي، يبدو وكأنه يتحدث عن فن واحد بأداتين مختلفتين.
يستعيد بداياته الأولى، وتأثره بأفلام السينما الصامتة، خصوصاً أعمال المخرج الروسي سيرغي آيزنشتاين وفيلمه الشهير المدمرة بوتمكين.

يقول الغابري: “عشقت الفوتوغراف والسينما معاً منذ بداياتي عام 1968، ولم أجد فوارق جوهرية بينهما سوى في نوع الفيلم. لأنني بدأت فوتوغرافياً، كان تفوقي في الإخراج السينمائي كبيراً، إذ أدركت مبكراً أن الكادر والزوايا والنقطة المعبرة في الصورة تحمل دلالات عميقة لا يدركها إلا من يمتلك ثقافة بصرية.”

ويرى أن دراسته للإخراج السينمائي منحته فهماً مختلفاً للصورة الثابتة، إذ يتعامل مع كل لقطة كما لو أنها مشهد سينمائي مكثف.

درس الإخراج السينمائي في بيروت لكنّه لم يترك السينما.. بل حملها معه إلى الصورة الفوتوغرافية

الصورة كحكاية كاملة

وجد الغابري في الصورة الثابتة مساحة بديلة للسرد في بلد لم تتطور فيه صناعة السينما بالشكل الكافي.
لم يكن ينتظر ممثلين أو مواقع تصوير أو ميزانيات إنتاج، بل كان يذهب إلى الشارع والجبال والأسواق والقرى، ويصنع من اللحظة العابرة حكاية مكتملة.

ويقول: “في الفوتوغراف، حين يقتنص المصور الموهوب لحظة ما، يكون قد صنع سيناريو كاملاً. الصورة قد تبدو صامتة، لكنها تتحدث بأكثر من لغة. المصور هنا هو بطل القصة، وهو من يضع السيناريو ويترك للمتلقي حرية القراءة وفق ثقافته البصرية.”

ويؤمن الغابري بأن الصورة الناجحة هي تلك التي تمنح المشاهد مساحة للتأويل، لا الصورة التي تقول كل شيء بشكل مباشر.

الضوء عند الغابري هو البطل الحقيقي بإضاءة واحدة يمكن أن يصنع بطلاً… أو يكشف قسوة الحكاية

الضوء... بطل الصورة الحقيقي

في حديثه عن تقنيات التصوير، يعود الغابري دائماً إلى عنصر واحد يعتبره أساس كل شيء: الضوء.

بالنسبة له، الضوء ليس مجرد أداة للرؤية، بل العنصر الذي يصنع شخصية الصورة ويحدد مزاجها. يمكن له ـ كما يقول ـ أن يجعل الشخص يبدو حنوناً أو قاسياً، بسيطاً أو مهيباً، فقط من خلال طريقة سقوطه على الوجه.

ويشرح ذلك قائلاً: “الضوء هو الذي يمنح الصورة صكها الجمالي. بذكاء المصور يمكن للضوء أن يحول الإنسان إلى بطل جميل، أو إلى شخصية قاسية ومخيفة، فقط عبر الخطوط الضوئية التي يختارها.”

ويصف لحظة التصوير بأنها حالة خاصة تجمع بين الصبر والهدوء والانفعال الفني: “التصوير هو وقت... ولحظة جنون يتفرد بها الفنان. هو جنون وصبر ممتع وهدوء تام.”

ربما لهذا تبدو الطبيعة اليمنية في صوره حية إلى هذا الحد؛ الجبال، الوجوه، الأسواق القديمة، وحتى الأماكن القاسية والجافة، كلها تحمل شيئاً من الدراما التي يصنعها الضوء والظل.

على امتداد عقود، وثقت عدسة الغابري التحولات الاجتماعية والثقافية في اليمن؛ تغيّر الملابس، ملامح المدن، تفاصيل الحياة اليومية، وحتى تبدل الوجوه مع الزمن

اصطياد اللحظة

لا يحب الغابري الصور المرتبة بعناية زائدة، ولا يميل إلى التعامل مع الأشخاص بوصفهم “موديلات”.
هو يفضل مراقبة الناس كما هم، في لحظاتهم الطبيعية والعفوية.

يقول: “أنا لا أرتب للصورة. أنا أصطاد تعابير الوجه والعينين، ولذلك يصبح من أصوره بطل قصته... وقصتي أنا أيضاً.”

أما المصور الصحفي، فيعتقد الغابري أنه لا يحتاج إلى مهارة تقنية فقط، بل إلى وعي سياسي وثقافي أيضاً.

ويضيف: “المصور الصحفي يجب أن يكون قارئاً وواعياً بما يحدث حوله، لأن فهم الواقع جزء أساسي من القدرة على التقاط اللحظة الحقيقية.”

ذاكرة اليمن البصرية

على امتداد عقود، وثقت عدسة الغابري التحولات الاجتماعية والثقافية في اليمن؛ تغيّر الملابس، ملامح المدن، تفاصيل الحياة اليومية، وحتى تبدل الوجوه مع الزمن.

ويقول: “الصورة هي قاضي المحكمة، وهي إثبات الحكاية، والمحامي الذي يدافع عن الحقيقة.”

وربما لهذا تبدو أعماله أقرب إلى محاولة مستمرة لحماية الذاكرة اليمنية من التآكل؛ ذاكرة الناس والأماكن والأزمنة التي مرّت سريعاً، لكن الصورة نجحت في الاحتفاظ بها.