تـابعـنـــا
Facebook IconTwittter IconInstagram Icon

عبد الرحيم مشاقر.. الفنّ ومقاومة التهميش

"مشاقر"، وجد عبد الرحيم هذا اللقب الأُسري أمامه، فكبر معه واتّخذه علامةً فنية. والمشاقر نباتات عِطرية تشتهر بها بعض أرياف اليمن، تعز خصوصًا، وقد اعتمد بعض الناشطين الثقافيين والإعلاميين الأوّل من يوليو من كلّ عام يومًا عالميًا للاحتفاء بها. وهذا اللقب يليق بعبد الرحيم الذي ينشر عِطر صوته الشجيّ، وبه يُطرب قلوب وأرواح سامعيه، حتى مَن به صَمم، يليق بفنّان تغلّب على ظروف التهميش والعُزلة التي تعيشها الفئة الاجتماعية التي جاء منها، وكأنّها جملة ركيكة خارج نصّ المجتمع والسياسة والحقوق، يليق بفنّان يؤكّد يومًا بعد يومٍ، أنه هناك، خارج النص، يوجد الإنسان الخلّاق لعوامل التماسك والسلام والانسجام في المتن المجتمعي المشروخ باختلالات بنيوية اجتماعيّا وثقافيّا وسياسيّا، وأنّ المتن فضاء مفتوح للإنسان، كلّ إنسان، أيّا كان لونه أو جنسه أو انتماؤه؛ ليشارك في كتابته بالإبداع، والإبداع ليس محصورًا بأحد دون أحد.

أواخر التسعينيّات، وُلد مشاقر في "سِنوان" بمديرية المعافر، من أسرة من الفئات المهمشة (السود)، يُطلق عليها محليًّا "بالأخدام" نعتا دُونيّا، في بيوت بعض غرفها خِيم، وبعضها حجرية تقليدية وعشوائية بالقرب من مجرى السيل، يحتمي فيها الأطفال والنساء وكبار السن من الرياح والمطر والبرد، بيوت تتزاحم لتكوّن مسكنًا يؤسَّس في مكان معزول يُطلق عليه اسم "المَحوى". و"الأخدام" صفة اكتُسبت من عملهم في خدمة أُسر اتّخذت لنفسها اسمًا استعلائيًّا "القبائل"، واستَغلّت ضعفهم لتحتكر الشرف الاجتماعي لها بزعم الانتماء الأُسري والعرقي والديني؛ إذ ظلّت ولا تزال تنظر لأعمال الخدمة باحتقار.

"أريد تعلّم القراءة والكتابة"، يُجيب مشاقر، إذا سألته: ماذا تريد؟ فهو يعتبر الخروج من المدرسة غلطة عمره؛ إذ لم يستطِع الالتحاق بمعهد فنّي موسيقي. فقد ترك مدرسة التعاون بيرين وهو في الصف الرابع، كعادة أطفال فئته الذين نادرًا ما يُنهون تعليمهم وقد اكتسبوا مهارات القراءة والكتابة بسبب الفقر، وأحيانًا بسبب التنمّر الذي يلاقونه من زملائهم. وخروجهم هذا يكون من أجل العمل في زراعة "الكرث"، أو أعمال حمل الأحجار بالجِمال وعلى الظهر، أو العمل "حمّالين" في الأسواق، أو عزف "الضَربة" (عزف موسيقي تقليدي راقص يُعزف على طبلين جلديين، يقودهما طبل آخر يُدعى "الطّاسة"، وهو طبل نحاسي أو معدني يشبه الوعاء. وهي مهنة مختصة بالمهمّشين، تعزف في الأعراس، وأحيانًا في مناسبات خاصة). وفي ريف تعز، لكلّ جماعة من المهمشين منطقة محدّدة يمارسون فيها الخدمة (عزف الضربة أو التسوّل أو التنظيف في الأعراس)، لا يتعدونها إلى مناطق أخرى؛ إذ يعتبر ذلك تجاوزًا للاتفاقيات المعقودة بينهم، والتي تقسّم المناطق بينهم تقسيمًا شبه إقطاعي.

والضربة، في المجتمع اليمني، مع أنّها فنّ راقٍ وأصيل، مهنة حقيرة، ومُنتقصَة، إلّا أنّ مشاقر الذي تعلّمها وأتقنها وهو طفل على علب حديدية، كان يلتقطها وأقرانه من مكبّ القمامة، وعلى طبل صغير يُمنح لأطفال المحوى للتدرّب عليه لتأهيلهم، وجدها أداة للتعبير عن ذاته وتفوّقه الإنساني وتأكيد كرامته، وأداة نفسية للتغلّب على مشاعر النقص والدونية.

وهناك، في "حائط سنوان" -وهو منتجع زراعي بالقرب من منزله- مع ترنيمات أشجار المانجو والعصافير وشلّال الماء تفتّقت موهبته في العزف، وتكشّفت حنجرته عن صوت بديع وهو يغنّى مقاطع غنائية لأيوب طارش (ملهمه الفني) تلقّاها من راديو ومسجل صوت قديمين، "ويهجل" بمقاطع فولكلورية خاصة بفئته تلقّاها من نساء ورجال المحوى.

الطبقات العليا تنتقص وتستصغر قيمة المهمّشين الإنسانية، لذلك يمنعون تزويجهم، ويمتنعون عن الزواج منهم. وإذا تزوّج رجل منهم امرأة مهمّشة، وهو أمر نادر، فإنّه يعتبر سقوطًا اجتماعيًا من رتبة عُليا إلى دنيا، ويوصم بالعار. ومشاقر تزوّج وهو لم يبلغ السنّ القانونية من فتاة تصغره سنًّا من فئته، وهي عادة جميع المهمشين.

قرّر مشاقر التحوّل نحو آلة العود ليوصل صوتَه إلى الآخرين، فقد شعر أنّ عزف الضربة، والتي لا يرافقها الغناء، لم تعُد تُشبع حاجته النفسية والروحية، وأنّ الطبل وحدَه لم يعُد قادرًا على توصيل رسالته الفنية أو إعلان وجوده الإنساني وتفوّقه. اشتعلتِ الحرب، واستجدّت ظروف اقتصادية صعبة، ليجد واقعًا صعبًا ومغايرًا يُثقل كاهله، فدخل في صراع وجوديّ ونفسيّ بين الالتزام بواجباته تجاه أسرته، وبين الولاء لشغفه وعشقه للفنّ، حيث تقلّصت فرص العمل، وقلّ الطلب على الضربة، إما بالاستغناء عن هذا الطقس الاحتفالي لتدني الأوضاع الاقتصادية لبعض الأسر، وإما باستبدالها بفرقة غنائية بالنسبة للأسر الغنية. لكنه لم يستسلم، واختار أسرته وحلمه معًا. ففي عامين، وبجهد مضنٍ، استطاع تأمين أساسيات العيش له ولأطفاله، وتوفير مبلغ صغير، ليحقّق، بمساعدة بعض معارفه، حلمه بشراء آلة عود، ويضع قدميه في طريق الغناء.

كانت الأسواق مسرح مشاقر الأول، برفقة عازف طبل صغير من أقربائه، فأينما وجدا تجمّعًا بلا فوضى، أو متى ما طُلب منهما، جلسا وشرعا بالعزف والغناء ليشكّل المتحلّقون حوله نواة قاعدته الجماهيرية، بالإضافة إلى الذين يرتادون منتجع سنوان للمقيل في النهار، ليصبح وجوده طقسًا ضروريًا بالنسبة لهم، وأمسى هدفهم من ارتياد هذا المنتجع، بعد أن كان الراحة في حضن الطبيعة، الاستطراب بصوته الجميل المتناغم مع الأجواء الحاضرة. ثم صار يُستدعى للغناء في مقايلهم في الأماكن الأخرى، أو في بعض حفلات الأعراس. وفي أغلب مشاركاته تلك، لم يكُن يحصل على مقابل ماديّ، سوى القات والماء والسجائر أحيانًا، أو مبالغ رمزية كبدل مواصلات، وأحيانًا لا يحصل على شيء أبدًا، ولكنه كان يفعل ذلك بمحبة كبيرة.

بدأ مشاقر مشواره الفني في تقليد بعض أغاني أيوب طارش صوتًا ولحنًا. ومع اتّساع قاعدته الجماهيرية ودخوله في تجارب كثيرة وجديدة، عمد إلى التدرّب الذاتي لصقل موهبته وتنميتها، وبدأ يؤدّي تلك الأغاني بأسلوبه الخاص، وأغاني أخرى لفنّانين آخرين من ألوان غنائية مختلفة، كاللون التعزي واللحجي والصنعاني والعدني لفنانين قدماء ومعاصرين، كما أنه غنّى ولحّن لشعراء غنائيين محلّيين قدّموا له بعض قصائدهم.

فكم أُطرِب به في الأعراس والمهرجانات والفعاليات وهو يغنّي "حبيت"، "هيمان"، "وباعدوا من طريقنا" لأيوب طارش. "لمو حبيت"، "طعمه قُبل"، "وحنين القلب" لعبد الباسط عبسي. "وقصدي من الزين نظرة" لفيصل علوي، "ويا ابن الناس حبيتك" للمرشدي، "وعليك سمّوني وسمسموني" وغيرها من روائع الفن الصنعاني، بالإضافة إلى أغاني نادر الجرادي وفنانين آخرين.

مشاقر فنّان مبدع وفريد، له أسلوبه الخاص والساحر، وشغفه الذي لا ينضب، ورسالته الإنسانية التي يحملها في حنجرته ويُصدرها أينما قرفص ليغني. هو صوت الفئات التي تعاني مرارة التهميش وتُهدَر طاقات أفرادها الإنسانية والإبداعية في مجتمع يتجاهل أن الإنسان، مهما كانت الطبقة أو الفئة التي جاء منها، قادرٌ على أن يُبدع في المجال الذي يحبّه ويجد روحه فيه، ويستطيع أن يعبّر عن ذاته به ليقدمها بصورة إنسانية راقية، ويقضي على جميع أوهام التراتبية المجتمعية.

وبفنّه، يُثبت أنّ الاختلافات بين البشر ضمن المجتمع الواحد، أو ضمن المجتمعات المتعدّدة، اختلافات شكلية لا تُبرّر أو تُشرعن التعالي والتصنيف، ولا تدل على تميّز فرد أو جماعة على فرد آخر أو جماعة أخرى، ولكنّها تُشخّص أمراضًا اجتماعية بحاجة للإصلاح والمعالجة والتخلّص منها؛ ليلتحم الإنسان مع أخيه الإنسان، ويتآلف معه بسلوكيات تعكس أخلاقيات القبول والتعايش والعدالة والمساواة الإنسانية بين جميع فئات المجتمع، وجميع البشر.

وبموهبته وصوته الجميل، الذي أكسبه محبّة الجماهير وتقديرها واحترامها، يؤكّد أنّ الإنسان بالفنّ قادر على تفكيك مبرّرات الاستعلاء والتهميش التي يعتنقها البعض ضد آخرين، وتحويلها إلى نظرة أخويّة إنسانية وودّية، وقادر على التخلّص من شعور النقص والدونية التي يكسبها في محيطه الجماعي عندما يكون في إطار فئة مهمّشة.

إنّ التهميش إحدى أدوات العنف الرمزي، أي إحدى سرديات الموت ضد الإنسان. ومقاومة هذه السردية بحاجة لجهود جماعية مكثّفة برؤى إنسانية وعادلة ومتبصّرة بقِيَم العصر وحقوق الإنسان والمشاعر الإنسانية المشتركة، لخلق بيئة تعايش وسلام تحترم الإنسان ليستحقّ فرصته للمشاركة في بناء مجتمع سليم وعالم آمن.

وإنّ المجتمعات التي تُوجَد فيها مساحات مهمّشة، ولو بنسبة ضئيلة، تظلّ مشلولة ومهدّدة بانفجار العنف في أيّ لحظة، ما لم تعمل على القضاء على حواجز الاندماج بين طبقاته وفئاته، وتقضي على التمييز بكلّ أشكاله، بالفن والتعليم والتثقيف الجاد والممنهج. فهيا، جمعيًا، نمدُّ أيدينا إلى عبد الرحيم مشاقر وأمثاله من الفنّانين والمبدعين، الذين يأتون من خارج النص، ومِن داخله أيضًا، لنصلح هذا العالَم، عالَمنا، ونجعله صالحًا للحياة، وجديرًا بنا.